الناجي: الهدف من ضرب الإخوان هـو كسـر الـربيـع الـعـربي

07 سبتمبر 2013 - 02:57

 

بخصوص ما يحدث في مصر، هل نحن أمام مخطط للإطاحة بالإسلاميين؟

 لا، لا أعتبر أن المخطط  هو النقطة الأساسية هنا. لكن بالمقابل، نعم هناك «إرادة»، وهي إرادة أسعفتها وساعدتها الظروف المتمثلة في  المظاهرات الشعبية في الشارع. يتعلق الأمر هنا ب»السلطة»،وبالصراع حولها بين مختلف الجماعات التي تسعى إلى الوصول إليها والسيطرة عليها. ومن المؤكد اليوم أن الجيش، وبشكل أكثر دقة، المجموعة المهيمنة التابعة إلى الجيش والمرتبطة بالفئات المسيطرة اقتصاديا، كانت تتحين الفرصة للقيام بذلك. في مصر كما هو الحال في تونس، أكيد أن الإسلاميين كانوا هم المستهدفين بشكل مباشر، ولكن المستهدف في العمق وفي نهاية المطاف هي المحاولة التي تم التعبير عنها من طرف المجتمع المصري وسعيه لبناء الديمقراطية.

 

 هل الإسلاميون هم وحدهم المستهدفين أم أيضا الربيع العربي؟

 في الواقع، الاثنان معا مستهدفان على حد سواء. فالفرصة مواتية ومثالية لكسر شوكة الإخوان المسلمين من جديد، بالنظر تحديدا لكونهم يشكلون المجموعة الأكثر تنظيما، ويعتبرون منافسين حقيقيين وجدّيّين ومن هنا السعي الحثيث إلى إقصاءهم من المشهد وإضعافهم لأطول فترة ممكنة. فالجيش ومن خلاله الفئات ذات المصالح التي يمثلها ويدافع عنها، لم تكن لتحلم بفرصة أفضل للتخلص منهم تحت ذريعة الدفاع عن الديمقراطية والقضاء على الإرهاب بل وتصفية المجموعات «الإرهابية». هكذا يتم استخدام هذه الذريعة خصوصا وأن الإخوان وصلوا للحكم عبر صناديق الاقتراع. تم استعمال الشارع بالضبط لخلق وهم أن الإرادة الشعبية، هي التي عبرت عن نفسها، في صحوة ثورية، بهدف قلب نظام دكتاتوري. بهذه الطريقة يخرج الجيش منتصرا وأكثر شعبية بل ومكتسبا للشرعية التي سمح له بها تحركه ووجوده في ساحة المعركة

ولكن الذي تم من خلال هذه الخدعة، هو تكريس إرادة الهادفة إلى مراقبة هيكل ومؤسسات الدولة، والقبض بيد من حديد على أجهزتها وبالتالي العودة إلى نقطة البداية، أي إلى ما قبل الربيع المصري وسقوط مبارك. وهذا كله تم بطبيعة الحال من خلال استخدام شعارات ساحة التحرير من قبيل: الدفاع عن الديمقراطية ورفض الاستبداد. إن المستهدف بشكل غير مباشر هو الربيع المصري ولكن من خلال الهجوم على الإخوان المسلمين الذي يظل هو العدو الرئيسي في نهاية المطاف.

 

 هل قام الإسلاميون بما يبرر استهدافهم؟

 هذا الجانب يبقى عنصرا حاسما، وغالبا ما  لا يتم تقديره بالدقة اللازمة من طرف المحللين

لابد هنا من الإقرار أن الإسلاميين منحوا الفرصة من أجل انتقادهم، بل وارتكبوا أخطاء فادحة ولم يحسنوا التقدير، الأمر الذي برر خروج فئات عريضة في مظاهرات حاشدة ضدهم. ذلك أن  تدبيرهم  الكارثي والمفتقد لأي انفتاح، أفضى في الأخير إلى فشلهم. لقد أساؤوا تقدير الوضعية واعتقدوا  بأنهم  حاملين لمهمة عُهد بها إليهم من طرف جموع المجتمع المصري. واعتقدوا بكل سذاجة أنهم يتوفرون على شرعية «سماوية»، وبذلك وجدوا أنفسهم خارج التاريخ، وهذا الأمر كلفهم غاليا. كان ذلك بمثابة خطأ إستراتيجي ناتج عن سوء فهمهم للتحول الاجتماعي، ولأهمية المطالبة بالحداثة الحقيقية، والرغبة في تقاسم السلطة التي تم التعبير عنها إبان الثورة. فالربيع العربي يترجم في الأساس وفي الجوهر هذا التطلع، غير أنهم لم يهضموا ولم يستوعبوا هذه المطالب. لقد أدوا الثمن وتسببوا بنفس المناسبة في حدوث أضرار للانتفاضة الشعبية التي طردت مبارك من الحكم. إن تدارك هذا الأمر وإصلاح هذا الوضع سيحتاج لا محالة إلى الكثير من الوقت. لقد فهم الجيش والنخبة التي توجد في خدمته جيدا هذه المطالب وعملوا على استغلالها. ولكن لابد هنا من الإقرار على أن ردة فعل الجيش المتسرعة والدموية تعوزها الحكمة، والرؤية الإستراتيجية، لأنها ظلت حبيسة الرؤية القصيرة الأمد المرتبطة أصلا بمصالح الفئات المهيمنة. كما يرتبط تصرفهم المتسرع هذا بالاعتقاد السائد داخل بعض الأوساط بأن الإخوان المسلمين يعانون من العزلة وغياب أي انخراط شعبي إلى جانبهم

مما لا شك فيه، أن الجيش ليس بمستطاعه أن يواجه المطلب الديمقراطي الذي استغله واستخدمه ضد الإخوان، وسيكون هو نفسه سجين هذه المعضلة، وسجين الفهم السيء لمضمون رسالة الربيع العربي.

 

 يرى البعض فيما حدث فشلا للتعايش بين الإسلام والديمقراطية.

 لماذا؟ هل يوجد دين عمل على خلق الديمقراطية بمفرده؟ هل نحن بحاجة للتذكير بالصراعات والحروب الدينية الدموية، وهل نسينا بأن أوربا شهدت إصلاحات من أجل  فتح الطريق  أمام الرأسمالية وأمام الديمقراطية؟. كل هذا الكلام المجاني الذي يلوكه من جديد أناس لا يفهمون شيئا في مثل هذه المواضيع، لا علاقة له بالواقع الحالي. فهُم يستخدمونه حتى الآن من أجل ذبح الإخوان، ومن ورائهم الربيع العربي.  وخلف ذلك هناك السعي إلى تحميل مسؤولية كل هذا للإسلام، بالضبط كما كان يقال من قبل، بأن الإسلام لا يتيح إمكانية تحقيق التنمية الاقتصادية. إنه التركيز المرضي الأزلي حول الدين في المجتمعات التي لا تأخذ وقتها الكافي من أجل فهم الآليات المحددة للتطور وللتحول. فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية تبقى هي المحدد الأساسي، فعندما تكون  قوية بما يكفي، يكون الدين أمامها عاجزا، ولا يوجد أمامه من خيار غير مسايرة التطور. إنه إذن نقاش وهمي لا مكان له هنا. ولنقل ذلك بصوت عال: إن المجتمعات العربية الإسلامية أكثر طلبا للحداثة، وبخاصة للديمقراطية، والمجموعات الحاكمة والمهيمنة هي التي ترفض ذلك ولا رغبة لها في الاستجابة لمطلبي الحداثة والديمقراطية.

 

كيف نفسر تحالف الليبراليين والعلمانيين مع الجيش. وما هو مستقبل هذا التحالف؟

 أي تحالف؟. لقد استغل الجيش والمجموعات المهيمنة الخطاب الليبرالي والديمقراطي. هذا كل ما في الأمر.عن أي ليبراليين تتحدث؟ لقد اعتقد العلمانيون بكل سذاجة أنهم تخلصوا من مرسي من خلال»صوت الشعب». والواقع أن الجيش هو من قام بذلك، ولكن ليس من أجل مصلحتهم، وليس من أجل مبادئهم، بل من أجل مصلحته الخاصة هو بكل بساطة.

 

 هل يعتبر ذلك فشلا للحوار بين العلمانية والإسلام؟

 كل هذا يذكرني بعرض راقص (كوريغرافيا) تم إعداده بكل عناية. إننا أمام عملية إخراج فنية معدّة جيدا، ودعني أقول «بحس فني»، وقد تم استغلال الناس والتلاعب بهم مثل الدمى، وقد انطلت الحيلة حتى على الإسلاميين في البداية، لأنهم كانوا مصابين بالعمى بسبب اعتقادهم الراسخ بأنهم الناطقين باسم الشعب، أو بمعنى آخر، بأنهم «مرسلون من السماء». تَمّ توزيع الأدوار على الممثلين: هناك الطيب والشرير، وهناك الذئب والحمل، الإسلامي المدمر للحريات الفردية ولحرية المعتقد والمسلح، والشخص العلماني المنزوع السلاح وبدون دفاع، الرهينة لدى الأول. وهناك المنقذ الذي يأتي في اللحظة المواتية، حارس النظام والمعبد الديمقراطي. وهكذا تمت اللعبة. لقد كان كل شيء معدّا بشكل جيد.

 

 لماذا يبدو الغرب عاجزا عن التدخل لفائدة الديمقراطية هناك؟

 هل ما زال بإمكاننا الاعتقاد أن ثمة إرادة لدمقرطة هذه المنطقة؟. فالغرب يشارك  في بعض الأحيان وبشكل مباشر في تدميرها ماديا، عند ما تكون قدرته على المراقبة موضوع اتهام. فالديمقراطية، بالتأكيد، هي آخر همومه وهواجسه، ويمكن أن نكتشف ذلك إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من خطابه الخادع.

 

 هل تعتقدون أن ما يحدث في مصر يمكن أن يتكرر في تونس أو في المغرب؟

لكل مجتمع خصوصياته وتميزه. وفي كل مرة، تعبر الأشياء عن نفسها بطريقتها الخاصة. يجب أن تكون مصر درسا لهاته الدول ولدول أخرى. وبالنسبة للإسلاميين، يجب عليهم القيام بمراجعات كبرى وإعادة النظر في رؤيتهم للأمور إذا أمكن قول ذلك، والتوقف عن ادعاء شرعية تاريخية وهمية. يجب أن يبدؤوا بتقديم  أجوبة عن مطلب الحداثة المعبّر عنه من طرف المجتمع. يجب أيضا أن تفهم السلطات أن ثمة ديناميكية جديدة في الساحة الآن، وأن إسلاميي مصر الذين لم يفهموا ذلك أدّوا ثمنا غاليا جدا. يجب أن يكون ضمن اهتمام السلطات القائمة، العمل على تعميق الديمقراطية، و لكن يجب أن نقول إن لهذا المطلب حدوده، وبأن هناك مصالح في قلب اللعبة وعلى المحك..فالخطاب المهيمن يجعل من السياسة الاقتصادية الجيدة أفضل سياسة للتدبير وللتقنين والتنظيم وللحكامة الجيدة، وأن عناصر الإصلاح العميق تستند إلى إعادة توزيع الدخل بشكل أكثر عدلا وإعادة تقاسم الثروات، دون ارتباط بالأجندات الانتخابية.

 والحال أنه بدون تطبيق هذه الإجراءات، فإن السلطات الحالية ستبلغ قريبا أقصى حدودها، هذا إذا لم يكن ذلك قد حصل بالفعل.

 

 بالرغم من الليونة التي أبان عنها بنكيران خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، يبدو أن رأسه مطلوب، أليس كذلك؟

 يلوّح بنكيران بالجزرة والعصا. ويعرف كيف يندمج بذكاء في اللعبة السياسية المحلية التي يظل الملك الفاعلَ الأبرز فيها، ولا يتردد في التذكير بدوره كإطفائي للاضطرابات الاجتماعية. ولكنه لم يفلح في إبراز تميزه باعتباره منبثقا من شرعية صناديق الاقتراع. مع ذلك، فهو يظل موضوع هجمات عادية، لأن الفاعلين السياسيين المحليين الآخرين يعلنون حقهم في الزعامة. أعتقد بكل صدق، أنه وقع في المصيدة بسبب اندماجه.. وبعدم تحليه بما يكفي من الحسم والجزم.

 

  هل حدث ذلك بفعل القصر أو من طرف فاعلين حزبيين؟

 إن الرأي القائل بأن القصر يفعل ما يريد، هي مجرد وهم وخيال. هناك مجموعات مهيمنة في المغرب، مجموعات قوية وعائلات ولوبيات تحتل المناصب الكبرى التي تتخذ فيها القرارات على المستوى الإداري والاقتصادي. ومن الواضح اليوم، بالنظر إلى دور وسائل الإعلام التي تتحدث باسمها، أنها لا تريد بنكيران. والقصر، في تقديري، يتوفر على رؤية إستراتيجية هدفها صد واحتواء الشارع من خلال وجود الإسلاميين في الحكومة. فيما تتوفر المجموعات المهيمنة على مقاربة للمدى القصير، مرتبطة أكثر بالإجراءات التي تهم مصالحها. وهو الشيء الذي يفسر تعقيدات الوضعية. وهؤلاء هم الذين يتحدثون على مستوى الخطاب عن الليبرالية وعن الديمقراطية.

شارك المقال

شارك برأيك