ثمن «الوفا»

12 سبتمبر 2013 - 17:25

 

يخبرنا الكاتب المغريي رشيد العسافي، في مجلة «الثقافة الشعبية» البحرينية، أن هذا المثل له جذور أندلسية؛ إذ ورد عند ابن عاصم الغرناطي في كتابه «حدائق الأزاهر»، فعدتُ إلى هذا السِّفر العظيم، وهو من تحقيق عبد اللطيف عبد الحليم، ووجدت المثل في الحديقة الخامسة «في أمثال العامة وحكمها»، وبالضبط في الصفحة 153، لكن بصيغة «لا ديري ولا حب الملوك»، ولعل الأمر مجرد خطإ مطبعي، خصوصا أن العفاسي يؤكد أن «ديدي» في الأصل «دادي»، لكن الأندلسيين يلفظونها كذلك لإمالتهم، وأن «دادي» لفظة رومية أصلها يوناني، وهي تعني «شجرة الأرجوان» التي لها زهر من فصيلة الخرّوب وله لون شبيه بـ«الكرز» أو «حب الملوك»… ويستشهد العفاسي بأبي القاسم الغساني الأندلسي الذي يتحدث عن هذا «الدادي» بكونه معروفٌ في فاس  والأندلس بـ«ديدي». الشاهد عندنا إذن أن أهل فاس يعرفون «ديدي»، وهؤلاء في سياق الحديث عن الوفا، هم الاستقلاليون، وأمينهم العام، حميد شباط، الذي وإن كان ليس فاسيا قحُا فهو عمدة المدينة ولو كره الكارهون! وأقصد أن الوفا فَقَد «ديدي» شباط، وفقد أمَلَه في «حَبّ الملوك» الذي أراه رمزا جيدا للسلطة، ليس لاقترانه فقط بـ«الملوك»، ولكن أيضا لحلاوته! بعبارة أخرى، لا هو بـ«ديدي» شباط، ولا هو بـ«حَبّ ملوك» رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، الذي كان يعول عليه ليُبقيه إلى نهاية ولايته، لكن الرياح الصرصر العاتية عصفت بما لا يشتهي مركب الحكومة، ففضّل رُبّانها أن يقذف ببعض راكبيه إلى عرض البحر، حتى يتخفف المركب، في انتظار القادم من الأيام. المشكلة أن الوفا «حْرگ» في ذلك المركب، بعد أن أحرق أوراق هويته الحزبية!

أما وقد فهمنا «الديدي» و«حب الملوك»، اللذين فقدهما الوفا في «دقّة» واحدة، فهلُمّ نلج رأس الوزير المنتهية ولايته…

يوقد الوفا ناره الملتهبة في سيجارته، ويمتص كل قطْرانها في رشفة واحدة، ثم ينفث معها  كل حسرته وهوانه على الناس، وفجأة يتراءى أمامه بنكيران فيخاطبه، بين النوم واليقظة، بلهجة غير معهودة: كنتُ معك اسما على مسمى، فـ«الوفا» من «الوفاء»، وكذلك نطقها المغاربة منذ زمان، تخفيفا على اللسان، لكن، لا أقول لك إلا ما نظمه الإمام علي بن أبي طالب: ذهبَ الوفاءُ ذهابَ أمسِ الذاهبِ.. فالناسُ بين مخاتلٍ ومواربِ.. يَغْشون بينهمُ المودةَ والصفا.. وقلوبُهم محشوةٌ بعقاربِ»! هنا تأخذ رئيس الحكومة العزة، هو العاشق للخطابة واللغة العربية، فيرد عليه: القولُ هنا قول أبي فراس الحمداني: أتَزْعُمُ أنّكَ خِدْنُ الوَفَاء.. وَقد حجبَ التُّرْبُ من قد حَجَبْ.. فإنْ  كنتَ  تصدقُ فيما تقولُ.. فمتُ قبلَ موتكَ مع مَن تُحب… ليعقب عليه الوفا من جنس ما جادت به قريحة شاعر بني حمدان متسائلا: أليس هذا الذي قال يوما: أبغي الوفاء بدهر لا وفاء له.. كأنني جاهل بالدهر والناس؟ آه منّي أنا الذي كنت أردد قوله: وماليَ لا أثني عليكَ وطالما.. وفيتَ بعهدي والوفاءُ قليلُ! وحتى تكون الضربة الموالية قاضية، جمع رئيس الحكومة نصف الملتحية «الوقفة»، وقال وهو يغادر المكان: من الأحسن أن تتمثل قول أبي تمام: رأيتُ الحُرَّ يجتنبُ المخازي.. ويَحْميهِ عن الغدرِ الوفاءُ.. ثم مضى، قبل أن يلتفت مرة أخيرة ويقول لصاحبه بنبرة المودّع: كان حزبك أولى بوفائك!

 

 

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي