الإقامة الأدبية.. فضاءات إبداعية يفتقدها الكاتب المغربي

13 سبتمبر 2013 - 15:06

 

في الوقت الذي أصبحت فيه «الإقامة الأدبية» فضاء أساسيا للإبداع في الأدب والفن في العالم كله، لا زال المبدعون المغاربة يعولون على الفضاءات التقليديةالبيت، والمقهى، والمكتبات العمومية إذا توفرتمن أجل إخراج أفكارهم ومكنونات صدورهم إلى بياض الأوراق أو اللوحات، أو غيرها من الحوامل المعروفة. إذ لا يتوفر المغرب على أي إقامة أدبية تتوفر فيها جميع شروط الحياة الإبداعية، التي تجمع بين الكتابة الأدبية والإبداع الفني، سواء في مجال السينما أو الفنون التشكيلية، الخ.

يعتبر الشاعر ياسين عدنان، الذي قضى شهر غشت الماضي في إقامة أدبية في «مونتالفو» بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أنه لولا هذه الإقامة الأدبية، لما أكمل كتابة ديوانه الأخير «دفتر العابر»، الذي كان مجرد نقاط وانطباعات، جمعها الشاعر خلال أسفاره إلى مناطق مختلفة من العالم. إذ يكشف أن إيقاع العمل والحياة لا يسمح بالإبداع والكتابة، حيث يقول إن الإقامة الأدبية توفر جميع الشروط والظروف المناسبة لهذا الغرض، وتفرض على المبدع أن يبلور أفكاره في كتابات على الورق/ أو الحاسوب.

ويتحدث ياسين عدنان عن إقامة «مونتالفو»، التي شارك فيها للمرة الثانية بعد المرة الأولى سنة 2011، باعتبارها أكبر إقامة أدبية وفنية في أمريكا والعالم. ويشير إلى أن المشاركة فيها تتم بعد الاطلاع على مسار الكاتب وإبداعاته ومنشوراته ومعرفة مدى جديته. كما يكشف أن الكتاب الأمريكيين لا يتصورون الكتابة خارج الإقامات الأدبية، مشيرا إلى أنهم يتعجبون من أن الكتاب المغاربة لا زالوا يكتبون داخل فضاءات تقليدية كالبيوت. ومن جهة أخرى، يوضح أن إقامة «مونتالفو» لا تقتصر على الأدب فقط، بل تشمل الفنون التشكيلية والسينما وفن الفيديو، الخ، ويتكون برنامجها من إسهامات المقيمين، بالإضافة إلى ورشات وبرامج ينشطها مبدعون يحلون ضيوفا على الإقامة لمدد قصيرة.

من جانبه، يعتبر الفنان التشكيلي مصطفى شفيق الإقامة الفنية مطلبا ضروريا لاكتشاف اتجاهات وتعبيرات وتصورات فنية جديدة، وللخروج من الرتابة وإغناء التجربة الذاتية من الاحتكاك بالآخرين. هذا المنظور استخلصه الفنان من خلال مشاركته خلال ماي الماضي في إقامة فنية في مدينة بوردو الفرنسية، شملت برامج وورشات تهم النحت والرسم والصباغة والتنصيب وفن الفيديو، وانتهت بتنظيم معارض في هذه المجالات الفنية.

ويرى الكاتب والباحث في الجماليات موليم العروسي أن الإقامة الأدبية تمثل تعاملا ساميا في احتراف الكتابة، لكنه يشير إلى أنه لا يشارك فيها إلا الكاتب المتحرر من الانشغالات والالتزامات اليومية والحياتية. إذ يعتبر أن الكتاب المغاربة لا يمكنهم الانخراط في الإقامات الأدبية، على اعتبار أن أغلبهم موظفون في التعليم أو في باقي أسلاك الوظيفة العمومية أو الخاصة، موضحا أن الإقامة الأدبية تهدف لدى الدول المتقدمة إلى إتاحة ظروف مناسبة من أجل أن يستكمل الكاتب مشاريعه التي يلتزم من أجلها مع دور النشر. ومن هنا، يذكر أن أغلب الإقامات الأدبية تنظمها دور النشر على الخصوص، مع إمكانية مساهمة مؤسسات غيورة على الثقافة.

يتحدث العروسي عن نوعين من الشروط: شروط ذاتية تتعلق بالتنظيم وتوفير الإمكانيات المادية والمعنوية للمشاركين في الإقامات الأدبية والفنية، وأخرى موضوعية تتمثل، مثلا، في انضباط في العمل خلال الإقامة. كما يرى أن الغاية منها تغيير الأجواء المألوفة أثناء الكتابة، والابتعاد عن بعض العادات السلبية، والانخراط في علاقات جديدة، الخ.

وإذا كان المغرب قد شهد بعض المبادرات الفردية للإقامات الأدبية والفنية (مثل إقامة محمد المرابطي في مدينة تحناوت، وإقامة مصطفى الرملي في الصويرة، وإقامة أحلام لمسفر في ضواحي أصيلة، وإقامة دار المامون في ضواحي مراكش، أو حتى الإقامات التي تنظمها المراكز الثقافية الفرنسية في عدد من المدن المغربية)، فإن الكتاب المغاربة لا يستفيدون من الأجواء الإيجابية التي تتيحها هذه الفضاءات من أجل الإبداع للاعتبارات، التي ذكرها كل من عدنان وشفيق والعروسي. هكذا، يبقى انخراط الدولة في استثمار الأوعية العقارية لبناء إقامات لأغراض الإبداع (في الكتابة الأدبية والتشكيل والسينما خصوصا) أمرا ضروريا، كما يرى عدنان. في حين، يقول موليم العروسي إن هذا الهاجس يقع على عاتق المؤسسات التي يعنيها الإبداع، مثل دور النشر ومؤسسات الثقافة ومراكز البحوث والمعارض الفنية، الخ.

شارك المقال

شارك برأيك