وصفة إصلاح القضاء.. نعم ولكن

14 سبتمبر 2013 - 18:47

 

 

 من هنا إلى مصادقة البرلمان على الإطار التشريعي لأكبر عملية تفويت سياسية يعرفها المغرب، لن يبقى للوزارة والوزير أي سلطة أو اختصاص في ما يتعلق بالاعتقال أو المتابعة أو حفظ الملفات، أو سلطة الملاءمة، أو توجيه النيابة العامة، أو تفتيش سيرة القضاة أو تنقيلهم، أو تطبيق السياسة الجنائية مباشرة، أو الحضور في المجلس الأعلى للقضاء… كل هذا وضعه ميثاق إصلاح العدالة في حجر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وأساسا في يد الرئيس المنتدب لهذا المجلس، والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، الذي صار أكبر سلطة قضائية في المملكة على اعتبار أنه من سيسود وسيحكم في وكلاء النيابة العامة دون أن يكون منتخبا، ودون أن يكون مضطرا إلى إعطاء الحساب لأحد. 

ستصير وزارة العدل مكلفة ببناء المحاكم وصباغتها وتجهيزها، وسيظهر الوزير مرة أو اثنتين في البرلمان للدفاع عن ميزانية الوزارة أمام نواب الأمة، أو حمل مشاريع القوانين إلى البرلمان وهو لا يعرف كيف ستطبق تلك القوانين على أرض الواقع، ولا كيف يمكن مراقبة تطبيقها. 

هل هذا خبر سعيد أم لا؟ لا أملك الجواب، أو بالأحرى يجب أن ننتظر القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لمعرفة تفاصيل ما جاء مجملا في الميثاق. 

الآن يجب أن ينطلق الحوار الفعلي حول مشروع إصلاح العدالة على قاعدة الوصفة التي جاء بها الرميد وصحبه في اللجنة العليا للحوار الوطني لإصلاح القضاء. ما دار من قبل كان مجرد تسخينات، الآن بدأت المباراة، وعلى البرلمان أن يكون في مستوى هذه اللحظة التاريخية، وعلى الجمعيات الحقوقية والمهنية وسط المحامين والقضاة أن ترفع صوتها لأن صوت الحكومة، مهما كان، يظل ضعيفا ومبحوحا لأن المجال أمامه محصور بإكراهات سياسية عديدة. 

ميثاق إصلاح العدالة هذا جاء بأشياء إيجابية كثيرة وعميقة على مستوى إصلاح جهاز القضاء، والنهوض بأوضاع القضاة، وإصلاح طرق اشتغال المهن القضائية، وعبر عن نوايا طيبة إزاء استقلالية ونزاهة هذا الجهاز الذي ولد وكبر في رحم السلطة لعقود طويلة من الزمن، كانت فيها الدولة تُجَنُ إن سمعت أحدا يتحدث عن استقلال القضاء، لأن القضاة كانوا عصا السلطان فوق الرؤوس الحامية، وأحكامهم إحدى أنجع الطرق لإدارة الصراع مع الخصم السياسي. وددت لو تحدث وزير العدل أو الميثاق عن بعض ما جاء في كتاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، الذي وضعته هيئة الإنصاف والمصالحة التي قادها إدريس بنزكري رحمه الله، وكيف أن 99 في المائة من تلك الانتهاكات الجسيمة كانت في صورة أحكام جائرة في حق المعارضين، نطق بها قضاة مازال الكثيرون منهم أحياء، وبعضهم في مكانهم يزاولون مهامهم ويحاضرون في موضوع استقلال القضاء وإصلاحه! 

لا أريد أن أفسد فرحة وزير العدل، ولجنته، وعدد ممن سيخرجون بقصائد المديح والغزل في هذا الميثاق. بلا مجاملة، الميثاق خطة إيجابية لإصلاح العدالة المريضة في بلادنا، وهذه الخطة النظرية تحتاج إلى إرادة سياسية لدى الجميع لإنزالها إلى الأرض، وتحتاج إلى أموال مهمة لتنفيذها، وتحتاج إلى يقظة وسط المجتمع المدني، وجرأة في البرلمان لمناقشة أحد أهم بنود هذا الإصلاح وهو: النيابة العامة والمفتشية العامة، وكيف تنبثقان من روح دستور 2011 لا من روح دستور 1962، وكيف تشتغلان بحرية ومسؤولية وشفافية بعيدا عن مراكز القوى وأذرع الدولة العميقة التي لا تشكل الحكومة سوى قشرتها الفوقية… 

نعم لخروج النيابة العامة من يد وزير العدل لأنه جزء من السلطة التنفيذية، واستقلال القضاء الجالس والواقف يتطلب ابتعاد الحكومة عن النيابة العامة وعن المفتشية العامة، لكن: لمن نعطي هذه السلطة الكبيرة؟ هذا هو السؤال الكبير والخطير.. للوكيل العام لمحكمة النقض، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية؟ مرحباً، لكن يجب أن يكون منتخبا من قبل زملائه القضاة، مادام أعضاء لجنة الحوار أخفقوا في الوصول إلى اتفاق على ولادة مؤسسة النائب العام التي كان ميلادها سيطور الممارسة القضائية في البلاد… في أمريكا، عاصمة الديمقراطية الحديثة، وزير العدل هو النائب العام الفيدرالي، أما النائب العام في كل ولاية فإنه شخص منتخب، ويتقدم أمام سكان الولاية ببرنامج نظرا إلى حساسية المركز الذي يتولاه. دعونا من أمريكا فهي بعيدة جغرافيا وفكريا عن مملكتنا المحافظة. إسبانيا جارتنا يعين فيها النائب العام من قبل الحكومة في مجلس وزاري، ويقدم الحساب للبرلمان. في مصر يعين النائب العام من قبل رئيس الجمهورية المنتخب… لا بد وأن تكون هناك شرعية انتخابية خلف رأس النيابة العامة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فلماذا، مثلا، لم ينص الميثاق على انتخاب الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض من قبل أعضاء المجلس

شارك المقال

شارك برأيك