في الحاجة إلى بريخت

16 سبتمبر 2013 - 20:59

 

تقوم فلسفة بريخت في الكتابة المسرحية على تمجيد المشاهد وجعله محور العمل المسرحي، وعندما كان يسأل أثناء توليه إدارة المسرح الألماني عن السر في ذلك، كان يجيب ببساطة "نريد أن نثير لدى المتفرج غريزة التأمل، والتفكير في الواقع، إنني أكتب من أجلكم، وعليكم أن تتخذوا موقفا ورأيا من القضية المطروحة في العمل المسرحي". لقد كان بريخت أول من أبدع نظرية هدم الجدار الرابع : ويقصد به جعل المشاهد مشاركا في العمل المسرحي.

اليوم في خضم مسرحيات عديدة نشاهدها طائعين أو مكرهين، لازالت نظرية بريخت تطرح نفسها بإلحاح، في دمشق كما في القاهرة، في الرباط كما في تونس، تسيل الدماء والوعود ويتدفق الغضب مصطبغا بصفرة الحسرة، ونتابع وعلى مدار الساعة مؤشرات القتلى، والزيادات، ولم تتحرك لدينا غريزة التأمل، لم نتخذ موقفا مما نراه..كما كان يأمل بريخت.

وللإشارة فقط فبريخت سليل الحرب العالمية، عايش هتلر وانقسام ألمانيا، فر من النازية، واكتوى بنار الشمولية، فخرج مسرحه رافضا متمردا عبثيا، أما نحن فعايشنا القذافي ومبارك وبشار ومن قبلهم ومن بعدهم، ولم يخرج من بيننا مشاهد واحد جدير بالفرجة.

نحن محظوظون كثيرا، فمشهد العبث باذخ وغني، أستحضر ما قاله درويش يوما في ديوانه حصار لمدائح البحر،" ومن الخليج إلى المحيط من المحيط إلى الخليج شاهدت مشنقة فقط شاهدت مشنقة بحبل واحد من أجل مليوني عنق". 

علينا أن ننتبه الجدار الرابع تولت الفضائيات والوسائط هدمه، ولم نتحرك، بعضنا جزء من المشهد، وبعضنا الآخر يعد المشهد جزءا من حياته، ولا تأمل في الأفق، لا غيم يمطر بفكرة، ولا عبارة تسعف في قعر الكأس.. أعترف أني عاجز مثلكم أو أكثر، فقد ماتت الحواس في الصدر وفي الحدقات، وطفح الجليد على اللمسة في الأنامل، وأني يائس مثل نورس في بقعة نفط على سطح المحيط، أعترف أني أجلد ذاتي، فاتركوني أتشبث بما تبقى من حرية، وأتصرف في الذات المشروخة كما أستطيع، فقد أفقد يوما حتى القدرة على اليأس، وقد صودرت مني كل وسائل الحزن، فلا أنا فرح بشيء أملكه، ولا أنا حزين بشيء يملكني، فقط دعوني أبتئس، هكذا ارتاح أكثر، ولاتنسوا أن بريخت سماه مسرح اللاجدوى.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي