امتحان الامتحان

17 سبتمبر 2013 - 14:29

 

لا اعتبار للخبرة ولا للتجربة، لا مكان لتقييم حقيقي يستضمر العلم والمنهج، يحترم العقل ولا يسفح دم الحقيقة. وكالة إثر وكالة، ومجلس عقب مجلس، وتجربة تتأثر خطو تجربة وبرنامج يعلب برنامجا ولايزال سقف الأحلام يرشح يأسا، ومازالت السفينة معيبة والإبحار مغامرة.

والذين يعولون على صبر المغاربة وعلى قدرتهم على التحمل، يحولون هذا الملمح الأخلاقي إلى بلادة مستفحلة واستغباء شرس. الصبر الذي يتمرن عليه المغاربة اليوم هو الصبر على الصبر، نوع من التحايل النفسي على الذات كي لا تسرع نحو الحافة أو تعانق العدم.

المشاريع الاقتصادية والتعليمية والاختيارات التي فتحت وثبت فشلها، تم القفز عليها وطي صفحاتها باستعجال. دفنت بطريقة غبية تذكرنا بموقف وجودي قديم يصدح به قول الحق: «بَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ». فكيف يواري السادة سوءة مشاريعهم الفاشلة؟ وكيف يتم القفز بحركات بهلوانية ليسدل الستار بخفة على مشاهد قُبر فيها من قُبر ونهب من نهب؟

إن القفز إلى الأمام بحجة أن المحاسبة تبطيء والتقييم استنزاف وقت، يضيع ليس فقط صلتنا بالمستقبل، بل يضع موضع نقاش فكرتنا عن الماضي، فكرتنا عن التقدم، فكرة التقدم في اتجاه الأمام، لم تحول الماضي فقط إلى جثة، لقد حولتنا إلى مجرمين، إذ كلما احتجنا إلى إثبات تقدمنا راكمنا خلفنا مزيدا من الجثث.

ثقافة اليقين المريض التي تسند كثيرا من مشاريعنا وسلة مقترحاتنا التنموية، هي التي تقدم لنا برامج اقتصادية أنحف خانة فيها هي خانة التقويم وخانة البدائل. الشك العظيم الذي تعلمته أوربا وجعلته من مدخلاتها الحضارية، هو الذي صنع حقيقة جوهرية مؤداها أن الشك وقود البدائل واليقين محرقة التقويم.

الخبراء الذي يشكون يجتهدون في بناء برامج ويجتهدون أكثر في صياغة بدائلها المتعددة، وجود البدائل هو اشتغال لطاقة الشك لنافذة الاحتمالات التي تقوي النظرة للآتي وتدعم صلتنا التوقعية بالمستقبل.

الثقة المبالغ فيها في أي برنامج تنموي لها مصدران: قلة الخبرة والتعلق بالجاهز والموجود أو ضمور المسؤولية واستفحال اللامبالاة. لذلك ينبغي أن نحذر المطمئنين، أولئك الذين لا يفحصون سياراتهم كل صباح ويعولون على فكرة تتربع في رؤوسهم ولا تمتد أرجلها في الواقع، حتى إذا زاغت السيارة عن الطريق اعتبر ذلك في عداد شطحات القدر وتقلبات الحظ.

إن السؤال الجارح الذي يعترض طريق كل مؤمن بوطنه هو السؤال عن ضحايا كل برنامج، وعن الجثث التي خلفتها كل المشاريع المعطوبة. من يعوض أجيالا كثيرة عن يومياتها الدامية وهي تدور في أفلاك مشاريع تقودها إلى مطحنة الفشل والإحباط والعوز. بجرة قلم يلغي وزير برنامجا وتقلب مؤسسة صفحة مشروع. لا أحد يتحدث عن الزمن الذي أهدر، وعن حياة الذين صرفوا عمرا وهم يمشون في دهاليز ذلك البرنامج، أو يسير فوق رقابهم ذلك المشروع. الحديث اليوم هو عن هدر العمر وهدر الحياة واسترخاص الوجود. ينبغي أن نصرخ في وجوه هؤلاء الذين يعتبرون المغاربة عبيدا يحملون فوق أكتافهم ثقل المشاريع المفلسة، ونعهد إليهم بكتاب: LES MALADIES DE L’HOMME NORMALللفيلسوف والروائي GUILLAUME LE BLANC ليفرقوا بين الإنسان العادي والإنسان السوي، وليفهموا أنهم يصنعون أمراضا في مختبرات غرورهم وقلة تجربتهم، ويفهموا أكثر أن المغاربة ليسوا فئران تجارب، وقبل كل امتحان عليهم أن يكونوا قادرين على امتحان امتحاناتهم وتقويم تقويماتهم، فالوطن ليس حقل رماية.

شارك المقال

شارك برأيك