مذكرات احرضان: يوم دافع عنّي الجنرال أوفقير

24 يناير 2014 - 23:30

 ترجمة : أيوب الريمي

 

بعد نفي السلطان محمد بن يوسف، أصبحت حالة الغضب والحزن عارمة في البلد. وبينما أنا جالس في بيتي، سأُفاجأ بشاب يطرق بابي، حيث كان يعمل ساعيا للبريد في أولماس. ولما فتحت له الباب، حاول إخراج مسدس صغير من تحت جلبابه، فطلبت منه أن يترك لي سلاحه، وأن يعطيني عنوانه، لأننا محاطون برجال الشرطة. وبالفعل، التحقت به بعد حوالي 45 دقيقة، فوجدت أنهما شابان يحملان مسدسين، ويرغبان في تفريغهما كيفما كانت الطريقة، انتقاما لنفي السلطان، ولكنني أقنعتهما بأن الوقت ليس مناسبا للدخول في لعبة الموت، وبأن أي تصرف غير محسوب سيوقعنا بين أيدي رجال الحماية مرة أخرى.

شكل نفي السلطان مناسبة للخونة من أجل الاحتفال. فالجميع، من قياد وباشوات، كانوا يحتفلون، حيث أصبحوا كلهم كلابا خاصة لرجال الحماية، كما أن الإقامة العامة كانت منتشية بإنجازها، وبتنصيب محمد بن عرفة مكان السلطان محمد بن يوسف. بن عرفة الذي لم يكن يعرف سوى التوقيع على الظهائر. ويُحكى يوما أنه عندما كان قادما في القطار من مراكش إلى الرباط، قدموا له ورقة فيها لائحة الوجبات، فاعتقد بأنها وثيقة يجب التوقيع عليها فأخرج قلمه للتوقيع.

وخلال هذه المرحلة، كان يطلب مني عبد الكريم الخطيب توفير بعد المتفجرات، وقد كان «ليوتنان» إدريس بنعيسى الفقير في ثكنة القنيطرة يوفر لي هذه الأسلحة، لكن بعد نفي السلطان، وعندما طلبت منه المتفجرات، أكد لي بأن الفرنسيين لم يتركوا سوى البنادق، لكن الخطيب قال لي بأن الأمر ليس مهما، ولكن المهم هو التزود بالأسلحة كيفما كانت.

كان عليّ أن أحافظ على التوازن، أي أن آخذ بعين الاعتبار الوسط الذي كنت أعيش فيه، حيث إن كل حركة محسوبة عليّ، وفي الوقت نفسه أن أبقى على اتصال بالخطيب والحركة المسلحة لمعرفة الخطة المتبعة في الكفاح المسلح. لذلك، قمت بتوظيف عدد من محاربي الظل وبدأت بشقيقيّ، الحاج وعمر، لأنني لم أجد من أثق فيه أكثر منهما. وقد تركت لهما حرية اختيار رفيق لكل واحد منهما، وقد بدؤوا بتنفيذ عمليات بسيطة، من قبيل كتابة «عاش محمد بن يوسف» على الجدران، وبعد ذلك، قمت بتوسيع الشبكة. وأشركت محمد بوعبادي وموحد أوكسو، كما استدعيت كلا من بن السايح ومولاي علي أشناني من منطقة آيت يشو. وبعدها، أنشأت خلايا عمليات. وعلى الرغم من المراقبة المفروضة عليّ، استطعت أن ألتقي بعدد من الزعماء للقبائل الأربع لمنطقة آيت عامر في أولماس.

وفي أحد الأيام، توجهت، أنا وزوجتي «مريم» إلى مقهى «الضباط»، حيث وجدت كلا من الجنرال أوفقير والجنرال بلبشير و«ليوتنان» لحسن لغول. وبعد أن سلمت عليهم، أخذت مجلة وجلست رفقة زوجتي بعيدا عنهم، قبل أن يمنعني الكولونيل الفرنسي المسؤول عن تسيير المقهى، وقال لي «لم يعد من حقك أن تأخذ هذه المجلة»، ولما سألته عن سبب هذا المنع، أجابني الكولونيل «لأنك لم تعد واحدا منا»، ليقوم أوفقير بشكل غاضب، ويمسك الكولونيل من عنقه ويحمله بيد واحدة ويقول له «الضباط المغاربة لديهم من المشاكل ما يكفي لكي يتحملوا سخريتكم!»، قبل أن يقول لمرافقيه «لم يعد لدينا ما نفعله هنا، مادام هذا المراهق هو الذي يسير المكان». ويوم 26 غشت، سيتم تعييني في المجلس الوطني للمقاومة، عن طريق عبدالكريم الخطيب، رفيقي في الكفاح.

وبعد نفي السلطان محمد الخامس، بدأت حالة الغضب والمقاومة تتسع، ذلك أنه في أحد الأيام، وأنا أتجول في السوق الأسبوعي، التقيت بالتاجر محمد الزموري، الذي أخبرني بأنه تم اغتيال خائن في الخميسات، فقلت في نفسي «وأخيرا تُطلق رصاصة في منطقتي». وكان صاحب هذه العملية هو الجندي بلميلودي الذي كان مستعدا لتقديم أي شيء لإثبات وفائه للعرش.

وقد حافظت على علاقاتي في منطقة زايان، وكان بيت بن حمو هو مركز اللقاء بكل قادة هذه المنطقة، بمن فيهم القايد أمحروق الذي كان رجل ثقة للباشا الگلاوي. وكان يؤدي عددا من المهام لصالح الإقامة العامة. محاولا اللعب بهذه الورقة في الوقت المناسب، عندما كنت ألتقي به في بيت بن حمو، وهو ما أعطى انطباعا لدى البعض بأنني غيّرت موقفي لصالح الحماية، وحتى القايد أمحروق اعتقد أنني وقفت على الحيّاد، وبأنه بسط سطوته على كل الأطلس؛ فرغم تواضع مساهمتي في الأطلس، كانت تخدم المقاومة. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف مصير عبد الكريم الخطيب ورفاقه الذين لجؤوا إلى تطوان في المنطقة الإسبانية، ليس من أجل الهروب، وإنما من أجل المقاومة. وكان هدف عبدالكريم الخطيب هو تأسيس جيش التحرير، الذي كان من الضروري إشراك منطقة الأطلس المتوسط فيه، ولكن بشكل حذر، وهذا ما ساهمت فيه.

 
شارك المقال

شارك برأيك