في الفنيدق، نسيان الماضي جزء من حلول الانتعاش الاقتصادي هذا الصيف (روبورطاج)

16 أغسطس 2022 - 12:00

تحاول مدينة الفنيدق أن تكسب لنفسها سمعة جديدة هذا الصيف، بينما تسعى إلى جذب الآلاف من السياح ممن كانوا غالبا يديرون ظهورهم لهذه البلدة على الحدود مع سبتة، ما لم يكن هدفهم التبضع.

 

لعقود، اكتسبت الفنيدق (أو كاستييخو بالتسمية العامية الشائعة) سمعتها بوصفها بلدة حدودية تشيع فيها التجارة غير المشروعة. وكانت لفترة طويلة، نقطة بداية لمسارات تهريب السلع الواردة من إسبانيا، في اتجاه الداخل المغربي.

كل هذا سيتغير نهاية عام 2019، فقد قررت السلطات المغربية بشكل مفاجئ في أكتوبر من هذا العام، إيقاف العمل بالطريقة القديمة التي كان يجري بها التسامح جزئيا مع تهريب السلع في معبر باب سبتة. كانت هذه الخطوة غير المتوقعة، قد سبقها تقليص تدريجي لحجم السلع القابلة للتهريب، وكذلك، الضغط على الجدول الزمني الذي كان مخصصا لهذه العمليات. لكن أحدا لم يكن يتوقع أن يكون أكتوبر آخر عهد للتهريب في معبر باب سبتة.

تبخرت الآمال للآلاف من الأهالي المحليين في الفنيدق الذين يتعيشون من الأنشطة المرتبطة بالتهريب بمجرد ما بدأت ملامح وباء كوفيد تتشكل. فهم الناس بأن الحدود ستكون أولى ضحايا تشديد القيود على الحركة.

فقدت الفنيدق تبعا لذلك، مورد رزقها، بينما كانت السلطات تتحاشى التعامل بجدية مع مشكلة كانت تتطور نحو الأسوأ بسرعة. بدأت موجة الهجرة سباحة، فيما ستتحول لاحقا إلى أكبر عمليات للهجرة الجماعية تعرفها البلاد.

تجمعت الصور السيئة عن هذه البلدة التي كانت مفعمة بالحياة، إبان تطبيق الحجر الصحي، من مشاهد الهجوم المشين على عربات المؤونة التي كانت السلطات توزعها على المعوزين، إلى الاحتجاجات الصاخبة التي شكلت تهديدا جديا لقدرة السلطات المحلية على مواجهة الصعاب المتزايدة منذ فبراير 2021.

وضع صعب وحلول كثيرة

أضاعت قيود كوفيد، موسمين سياحيين على الفنيدق (2020-2021)، ومن دون وجود تجارة قائمة بمعزل عن التهريب، فقد كانت أفضل آمال الأهالي هو الحصول على عمل بالحد الأدنى للأجور. أنفقت السلطات أموالا ضخمة لتشغيل حوالي 5 آلاف شخص في وظائف بالإنعاش الوطني. كانت صور جماعات النساء اللائي يتجولن في الشوارع دون وجهة محددة، وهن يلتقطن النفايات القليلة، مشهدا غير مألوف في هذه البلدة التي كان أهاليها قبل سنتين، ينظرون بازدراء إلى مثل هذه الأعمال.

لكن، هذا الصيف، تأهب الأهالي لأول موسم سياحي قد يقطع بين فترتين من تاريخ بلدتهم. الأهالي غير المعتادين على التعاطي مع النشاط السياحي كاقتصاد مستقل عن التجارة المرتبطة بالتهريب، يدربون أنفسهم هذه المرة، على جعل السياحة ملاذا من الشعور بالبؤس بعدما خيم لأزيد من سنتين.

يقول بلال دواس الرايس، وهو عضو بالحزب الاشتراكي الموحد، ومناضل محلي، “إن تبدل الأوضاع الاقتصادية يفرض تغييرات جوهرية على الطريقة التي كان يعيش بها الناس حياتهم”، موضحا أن “الناس الذين كانوا معتادين على جني بعض المال في ظروف غير مقيدة بعدد الساعات، أو ممن لم تكن لديهم هموم الحصول على أجر في آخر الشهر، باتوا الآن مقتنعين بأن عليهم التأقلم مع العمل كما يعرفه الآخرون”. ويستدرك: “لم يكن الأمر وكأن الأهالي أعضاء في عصابات، ولكنها كانت تجارة يعمل فيها الآلاف في ظروف خاصة، وليس أمامهم الآن سوى أن يشاركوا في التنمية المحلية في ظروف خاصة أيضا”.

ساهم برنامج “أوراش” الحكومي، بدوره في تكريس ثقافة العمل الجديدة هذه. وبتوظيفه العشرات من الشبان المحليين، قامت جمعيات محلية بعمل هائل في سياق المساعدة على تنفيذ ترتيبات الموسم الصيفي. يقول الدواس: “تحتاج عملية تغيير العقليات إلى وقت… لكن ظروف الفنيدق عامل مسرع”.

تبذل جماعة الفنيدق جهدها للسير في هذه الطريق. في ماي الفائت، بدأت هذه الجماعة التي بالكاد بات فائضها السنوي يفوق مليون درهم، سلسلة لقاءات مع الأهالي والمجتمع المدني سعيا إلى إقرار برنامج تنمية محلية.

تحقق الإجماع على حث الجهود لبناء صورة جديدة لمدينة الفنيدق. لكن ليس هناك رأي موحد حول الشكل الذي يجب أن تبدو عليه مستقبلا. بين أولئك الذين يعتقدون أن التعويل على السياحة قد يكون رهانا خاسرا (بسبب نقص البنية والعرض السياحيين اللذين يمكن لهذه البلدة تقديمهما)، فإن آخرين يرون فرصة هائلة في أن تتحول الفنيدق إلى مركز للتجارة بين الحدود، لكن هذه المرة، وفق الطرق المشروعة. يحاول مشروع منطقة للأنشطة الاقتصادية في الفنيدق (دُشن إبان الاحتجاجات) أن يقدم لمحة أولية عن هذه الرؤية، لكن عدا بضع عشرات من الوظائف التي نجح في خلقها، فإن الانتقادات تلاحق الشكل الذي أصبح عليه حيث نخبة صغيرة من رجال الأعمال تسيطر على أنشطته دون أن يمتد خط رواجه التجاري إلى الفنيدق.

 

مساعدة الحكومة

لكن بالنسبة إلى بعض المنتخبين المحليين، فإن الرؤى المستقبلية تحتاج إلى وقت كي تثمر. ذلك ما يعتقده محمد الياسيني، وهو منتخب بمجلس مدينة الفنيدق، وأيضا نائب لرئيس مجلس عمالة المضيق الفنيدق (حزب الأصالة والمعاصرة).

يشارك الياسيني، بشكل يومي، على صفحته بموقع “فايسبوك” صورا لتدفق السياح على مدينته. يحاول بذلك أن يظهر بأن الناس لم تأت هذه المرة للحصول على بضاعة مهربة. يقول: “زوار يرتادونها لموقعها الطبيعي، ورونقة سواحلها، وبساطة وطيبوبة أهاليها”. ثم يردف: “هذه العوامل يجب علينا استغلالها”.

منذ تسلمه دفة قيادة جماعة الفنيدق، يحاول حزب الأصالة والمعاصرة أن يظهر كفاءة على صعيد الإدارة المحلية على خلاف الانتقادات التي كانت تلاحق سلفه، حزب العدالة والتنمية. ويعتقد الياسيني أن “الجماعة منذ مطلع هذا العام دشنت سلسلة نجاحات”. لكنه يأمل في أن تدعم الحكومة المركزية المجهود المحلي كي تقلع المدينة مجددا.

تعطلت الكثير من المشاريع ذات الطابع السياحي في البلدة. الساحل، أو الكورنيش الممتد على حوالي أربعة كيلومترات، لم يجر استثماره بتاتا كما كانت الرؤية الأصلية له. فقد تُرك لحاله دون أي مرافق، وبالكاد يحقق عائدات في الصيف بواسطة كراء باحاته واستخدامها كمرائب سيارات. هذه المرة، خططت الجماعة لتحويل منشآت ترفيه متنقلة إلى الكورنيش، كي تجذب الأهالي في أوقات المساء إلى هذا الركن المنزو. نجحت الخطة.

لكن بالقرب من هذا الساحل، تعاني مشاريع سياحية أيضا من المشاكل. مجمعات للسكنى السياحية أخلفت تعهداتها بإنشاء فنادق، أو مناطق ترفيه. بينما في وسط المدينة، استحوذت الشركة العقارية العامة (CGI)، على أجود العقارات التي يمكن تهيئتها لمشاريع تحسن من جاذبية البلدة، لكنها تركتها كذلك، أراض خلاء، ولم توف بتعهداتها لتطوير تلك العقارات. يقول الياسيني: “من شأن تركيز حكومي أن يعالج هذه الإشكالات… إننا في حاجة إلى معالجة سريعة وشاملة”.

يعول المنتخبون المحليون كثيرا على مساعدة الحكومة المركزية لهذه الجهود المبذولة، لكن بعض التشوهات تحتاج إلى قرارات محلية. يعاني السياح كثيرا من الاكتظاظ المروري، وضيق الشوارع، ناهيك عن إيقاف السير بالسيارات على الطريق الرئيسي وسط المدينة بسبب استحواذ الباعة الجائلين عليه. يشكو المنتخبون باستمرار من ضعف الشرطة المحلية في تحسين تدفق حركة المرور بالمدينة. كانت هذه الشرطة تعول باستمرار على دعم حيوي جراء وجود الملك محمد السادس في المنطقة حيث يقضي عطلته الصيفية. لكن، هذا العام، لم يفعل ذلك، ووجدت الشرطة المحلية نفسها وحيدة في مواجهة تدفق غير اعتيادي لآلاف من السيارات.

يأمل الأهالي في أن تتحسن الأوضاع فعلا. بعد عامين سيئين، فإن التطلعات هائلة. يقول الياسيني: “يمكننا القول إن الموسم السياحي لهذا العام كان ناجحا… هذه مجرد مقدمة لفصل جديد يكتب في تاريخ الفنيدق”.

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.