كيف تعثرت [أو] تبخرت مشاريع أساسية لعبت السلطات ورقتها لمواجهة تداعيات الأزمة في الفنيدق؟

24 يونيو 2023 - 19:00
الوالي مهيدية (وسط) وعامل المضيق، ياسين جاري (يسار) في اجتماع متابعة لمشاريع الفنيدق

 

لعبت السلطات المغربية على ثلاثة مشاريع أساسية في مواجهة الأزمة التي ألقت بثقلها على مدن الشمال، لاسيما مدينة الفنيدق، التي توجد في قلب أزمة الهجرة والتوتر الحدودي.

وعدا منطقة الأنشطة الاقتصادية التي مازالت تحاول الانطلاق، فإن هذه المشاريع، وبعد مضي أزيد من عامين، إما تعاني تعثرا، أو تبخرت بالكامل.

المشترك بين هذه المشاريع، التي زُعم أن مساعدتها ستكون هائلة في تعافي هذه المنطقة، أن مصيرها السيء متصل بانتهاكات واسعة لقوانين التعمير والبناء، تورطت فيها الشركات.

تتحمل السلطات المحلية في عمالة المضيق الفنيدق قدرا من المسؤولية في السماح بالشروع في هذه الأعمال دون الحصول على التراخيص القانونية. ويُبين أثر مراسلات بين الإدارات العامة بخصوص هذه المشاريع أن السلطات تغاضت أو تجاهلت التحذيرات، ولربما شجعت مواصلة الأشغال في هذه المشاريع بغض النظر عن وضعيتها القانونية.

بعد سنتين من الاضطرابات التي بدأت في الفنيدق في فبراير 2021، جراء إغلاق منفذ التهريب المعاشي مع ثغر سبتة المحتل، أطلقت السلطات مخططا طموحا لإعادة تحريك عجلة التنمية بواسطة مشاريع صناعية أو تجارية. وقدمت السلطات مشروعا لمنطقة صناعية، وأيضا معملا لمنتوجات بحرية. كما كانت تعول على مركز تجاري هائل لاستعادة الزخم الاقتصادي الذي عرفت به هذه الأنحاء منذ حوالي أربعة عقود.

في سياق سعيها لتطويق الأزمة، قللت السلطات من صرامتها المعتادة إزاء انتهاكات قوانين البناء. كان هدف الوصول إلى مشاريع منتجة للوظائف يغطي على المتطلبات القانونية.

لكن، منذ ذلك الوقت، أي عقب غمرة الأحداث عام 2021، لم يتغير الكثير في هذه المنطقة. المنطقة الصناعية متعثرة، ومعمل المنتوجات البحرية تبخر، بينما المركز التجاري والسياحي تخلى عنه ملاكه، ولا يبدو أن لديهم رغبة في العودة إليه في وقت قريب.

كان من الواضح أن هذه المشاريع تعاني من أوقات صعبة، لكن لم يكن واضحا ما يحدث بالضبط. أجوبة لوزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، كُشف عنها الجمعة، ستُظهر حجم الانتهاكات والخروقات التي حاول مستثمرون ارتكابها في مشاريع كبيرة، بينما وقفت السلطات عمياء لفترة طويلة.

 

معمل كبير… لن يرى النور

أول هذه المشاريع هو معمل للمنتوجات البحرية، كان مقررا أن تقيمه الشركة الهولندية الأصل: klass puul. أقنعت السلطات منذ مارس 2021 السكان المحليين بمعمل Gamba كما روجت إليه، وبوسعه أن يتحمل جزءا من الضغط على مناصب العمل.

في يونيو 2023، لم تتحرك آجرة واحدة في هذا المشروع. لنعد إلى سلسلة الأحداث التي أدت إلى تبخره.

في 18 مارس 2021، أي شهرا بعد اندلاع الاضطرابات في الفنيدق، حصلت شركة كلاس بول، على الموافقة لكراء عقار مساحته 13 ألف متر مربع، من العقار التابع للملك الخاص للدولة ذي المرجع العقاري 76/17064. اللجنة الجهوية الموحدة للاستثمار وافقت آنذاك على العملية بينما كانت تعد الشركة بإنجاز وحدة صناعية.

سارعت تلك اللجنة في تلك الأوقات المضطربة، وبإشراف من السلطات على صعيد الولاية، إلى تحفيز المستثمرين بالقدوم إلى منطقة الفنيدق في مسعى لتهدئة الاحتجاجات التي كانت مازالت مستمرة حتى مارس.

العقار الذي وافقت السلطات على اكترائه من لدن شركة « كلاس بول »، مغطى بتصميم التهيئة للفنيدق المصادق عليه عام 2017، وهو مخصص لمنطقة الاحتياط الاستراتيجي وممر للراجلين ذي عرض 10 أمتار.

معمل المنتوجات البحرية لم يكتب له أن يرى النور في الفنيدق رغم تسهيلات السلطات
معمل المنتوجات البحرية لم يكتب له أن يرى النور في الفنيدق رغم تسهيلات السلطات

في 25 يناير 2022، أصدر عامل عمالة الفنيدق المضيق قراره بإحداث لجنة AD-HOC، لدراسة والبت في مشروع هذه الشركة نظرا لما يقتضيه التنطيق الموجود فيه العقار. هذه اللجنة عبارة عن لجنة مؤقتة معينة للنظر خصيصا في هذا المشروع فقط.

لاحقا، وفي 1 يونيو 2022، يدعو العامل نفسه إلى اجتماع لمناقشة ودراسة الموضوع. لم تكن هناك أي اعتراضات. وزيرة التعمير تقول إن الوكالة الحضرية لتطوان « أبدت موافقتها المبدئية شريطة احترام مقتضيات تصميم التهيئة للفنيدق ».

حتى ذلك الوقت، تبين أن المشروع متعثر، فاتفاقية الكراء الموافق عليها في مارس 2021، لم يتم توقيعها مع مصالح الأملاك المخزنية. كما أن المشروع لم يحدد مساحته بشكل نهائي. ولم يُدل بأي موافقة بيئية، ناهيك عن أن صاحب المشروع في تصميمه، لم يحترم ممر الراجلين كما هو مغطى في تصميم التهيئة.

رغم ذلك، ستحصل الشركة في 31 غشت 2022، على موافقة اللجنة المؤقتة التي شكلها عامل المنطقة، رغم أن صاحب المشروع لم يكن قد حصل بعد على الموافقة البيئية، فيما طُلب منه بأدب احترام بعض المقاسات تخص علو المشروع بالأساس.

منذ ذلك الحين، لم يتغير شيء. ما زال السكان المحليون يأملون في رؤية هذا المعمل يوما ما، لكن، في الواقع، فإن صاحب الشركة قرر أن يتوقف عند هذه الحدود، وتخلى عن مشروعه.

 

حدائق الفنيدق… المقفرة

ظهر مشروع « حدائق الفنيدق » عام 2018، باعتباره واجهة للطموحات الجديدة في هذه المدينة التي تخطط للتحول إلى منطقة جذب سياحي.

« حدائق الفنيدق » عبارة عن مركب تجاري وسياحي، حصل على رخصة بنائه عام 2015. وحتى 2019، كانت أعمال البناء الرئيسية قد نُفذت، فيما بيعت أغلب أجزائه المخصصة للسكن. لكن مصيرا سيئا كان ينتظر هذا المشروع.

في 7 أكتوبر 2019، وصلت فرقة للمراقبة تابعة للوكالة الحضرية لتطوان، إلى مكان المشروع، وكانت نتائج المراقبة مزعجة؛ فشركة « رانبضال » خالفت التصاميم المرخص لها، وذلك بالزيادة في المساحة المسقفة، وتجاوز العلو المسموح به في بعض الأماكن.

إثر ذلك، بعثت الوكالة الحضرية لتطوان رسائل إبلاغ إلى السلطات المحلية المعنية في 13 نونبر 2019، لتطبيق القانون فيما يخص المخالفات المذكورة، وفق ما تذكره وزيرة التعمير. سيحدث بعض التأخير في التنفيذ. فعامل المضيق الفنيدق سيقرر إحداث لجنة يقظة، وسيبعثها إلى الفنيدق مجددا في 9 دجنبر، أي بعد حوالي شهرين من مراسلات الوكالة الحضرية، لإجراء جولة مراقبة لورش المشروع. هذه اللجنة « قامت بتفصيل كل المخالفات المرتكبة، كما أوصت في اختتام أشغالها بضرورة اتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة ».

مشروع حدائق الفنيدق يدخل عامه الثالث دون أي حركة
مشروع حدائق الفنيدق يدخل عامه الثالث دون أي حركة

مع تصاعد الأزمة في الفنيدق، ستمنح السلطات المزيد من الوقت لصاحب المشروع، شهر، شهرين… ستة أشهر، ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. بشكل ما، سينتبه الملك محمد السادس في إحدى جولاته بهذه المنطقة إلى منظر هذا الورش، وسيثير تساؤلات.

في 10 غشت 2020، سيصدر عامل عمالة المضيق الفنيدق قرار الهدم الذي طال انتظاره بعد 9 أشهر من بعثه لجنة اليقظة.

بعد حوالي 4 أشهر إضافية من صدور قرار الهدم، الذي عهد تنفيذه إلى الشركة نفسها، سيبعث هذا العامل مجددا في 1 دجنبر 2020، لجنة تقنية لمعاينة الورش و »النظر في امتثال الشركة لقرار الهدم » الصادر عنه.

ستكتشف هذه اللجنة، أن الشركة اكتفت بإنهاء المخالفات جزئيا فقط، بهدم طابق ثالث متواجد بالجهة الشرقية للمركب كان مخصصا في التصاميم المرخصة لسفلي وطابقين علويين.

في اليوم الذي حلت به هذه اللجنة بالورش، ستضطر الشركة إلى تنفيذ أعمال هدم جديدة. وشمل ذلك الطابق الأرضي الأول فقط للبناء الذي تم تمديده على حساب الباقات الخضراء (Jardinieres). ستسجل اللجنة المخالفات المتبقية والتي لم تطلها أي أعمال هدم، ثم غادرت.

في 13 يناير 2021، تدخلت السلطات المحلية بإيعاز من والي الجهة، وقامت بتعييب بعض الأسوار المرتبطة بمخالفات البناء في الركن المخصص لسلالم الدرج والمساحة الخضراء، وأيضا تعييب بعض أسوار الواجهات التي تم تمديد البناء فيها على حساب الباقات الخضراء.

شهرا بعد ذلك، ستندلع اضطرابات واسعة في هذه المنطقة.

مضطرة هذه المرة، ستحاول السلطات إقناع الشركة بالعودة إلى العمل، مع تخفيف للشروط المطلوبة. إلا أن ذلك لم يحدث أبدا. في 22 يوليوز 2022، سيصدر قرار قضائي نهائي بحق الشركة بسبب المخالفات المنسوبة إليها، وستخبو الرغبة لدى ملاكها في إحياء هذا الاستثمار الضخم.

 

منطقة صناعية… خارج القانون

فضيحة تلك التي كشفتها الوزيرة المنصوري، عندما أعلنت أن سلطات عمالة الفنيدق المضيق سمحت بإنجاز مشروع منطقة صناعية في مدينة الفنيدق دون أي رخصة، أو إجراءات قانونية، في غمرة بحث هذه السلطات عن تقديم حلول سريعة لأزمة أدت إلى اضطرابات عام 2021.

سعت جماعة الفنيدق إلى عرض كل التسهيلات لإقامة هذه المنطقة، لكن كل شيء سار على النحو الخاطئ.

الوزيرة قالت إن الأشغال في هذا المشروع بمنطقة حيضرة، انطلقت دون الحصول على التراخيص والأذونات طبقا للقوانين الجاري بها العمل والإجراءات اللازم اتخاذها من أجل تحصينه قانونيا.

وتضيف الوزيرة أن المشروع عرف إنجاز ثلاث وحدات دون سلك المساطر القانونية، بلغت نسبة البناء بها حوالي 90 في المائة، كلها في مناطق داخل تصميم التهيئة، ولا تتلاءم مع مقتضياته.

كانت عمالة المضيق الفنيدق قد توصلت من لدن الوكالة الحضرية لتطوان، بمراسلة تحث على التعجيل بتقديم تصميم الكتلة ودفتر التحملات لهذا المشروع لدراسته طبقا للقانون، والموافقة عليه في أفق إدماجه في المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية لتطوان الكبير.

لكن الوكالة الحضرية ستفاجأ في اجتماع مع عامل هذه العمالة في 18 دجنبر 2021، بأن الأشغال بدأت دون الاهتمام بالمواصفات القانونية المطلوبة.

عامل عمالة المضيق الفنيدق في زيارة تفقدية لمشروع المنطقة الصناعية غير المرخص له
عامل عمالة المضيق الفنيدق في زيارة تفقدية لمشروع المنطقة الصناعية غير المرخص له

 

كانت سلطات هذه العمالة تسارع منذ فبراير 2021 إلى تقديم هذا المشروع كمخرج للأزمة التي تضرب هذه المنطقة منذ إيقاف أنشطة التهريب المعيشي نهاية عام 2019، ويبدو أنها قدمت هذه المنطقة الصناعية للمسؤولين الحكوميين، كما للأهالي المحليين، في غمرة تلك الأحداث دون الاكتراث بالقوانين.

هذه القوانين، وفق ما تكشف الوزيرة المنصوري، تبين أن الجزء الأكبر من هذا المشروع مغطى بتصميم التهيئة الفنيدق المصادق عليه في 2017، وغير ملائم لمقتضياته. كذلك، بحسبها، فإن الجزء الآخر « مغطى بالمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية للساحل السياحي لتطوان، المصادق عليه آنذاك، ويوجد بمقتضاه في منطقة التشجير.

يأمل المسؤولون المحليون أن تفضي محادثات مع وزارة التعمير إلى حصول هذه المنطقة على التراخيص النهائية. لكن هذه المحادثات المضطربة قد استغرقت أكثر من سنتين، بينما تستمر أعمال البناء في تلك المستودعات دون اكتراث بالنتيجة على ما يبدو.

الشهر المقبل، سوف تعقد جماعة الفنيدق دورة استثنائية، ستخصص لدراسة والمصادقة على تعديل في تصميم التهيئة في تلك الأنحاء حيث توجد المنطقة الصناعية. هذا ما أعلنه السبت، محمد الياسني عضو هذه الجماعة، ونائب رئيس مجلس عمالتها. إذا نجحت في تمريره، فإن هذا التعديل سيسمح باتفاق مع وزارة التعمير، بتسوية الانتهاكات التي حدثت على صعيد قانون التعمير وفق تصميم التهيئة الأصلي.

 

حتى ذلك الوقت، تستمر السلطات في فعل ما تجيده بشكل أفضل منذ احتجاجات فبراير 2021، أي تعبئة المزيد من الموارد لتوظيف السكان المحليين بشكل مؤقت، في قطاع الإنعاش الوطني، أو في معامل بعيدة عن الفنيدق، سواء في تطوان، أو في طنجة.

وبدرجة أقل، تنهمك السلطات في دعم جمعيات محلية في سياق خطة لإنعاش قدرة المجتمع المدني على توفير فرص عمل إضافية. وبشكل دوري، تقدم خلال اجتماعات يقودها عامل المضيق، خلاصات برنامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في هذا الإقليم، حيث تُعرض إحصائيات حول فرص العمل المستحدثة.

أما منطقة الأنشطة الاقتصادية التي بدأت العمل تحت ضغط الاحتجاجات، فإن الشكوك تلاحق قدرتها على تمكين الفنيدق من بديل تجاري عن التهريب. وبينما يشار إلى أن أرباب العمل في هذه المنطقة يخلقون حوالي 200 فرصة عمل بحد أدنى للأجور، فإن عاملين في هذه المنصة يقولون إن حوالي 50 عاملا فقط يمكن إحصاؤهم في عمل ديمومة مستمرة طيلة الأسبوع.

ليست هذه هي النتائج التي كان يأملها السكان المحليون.

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي