يشهد بلدنا اتساعا مهولا في الفوارق الطبقية حتى أصبح من الصعب التخفيف من حدتها والتقليص من حجمها.
لقد أدى ظهور « طبقة الأغنياء الجدد » التي تنامى ثراءهم بفعل المضاربات العقارية، والتهريب، وتجارة المخدرات، والرشوة الإدارية، إلى تفاقم هذا الوضع.
وذلك نتيجة لنمط تنموي غير المتوازن نهجته البلاد مند الاستقلال، رغم تعاقب نماذج تنموية مختلفة، لم يزد الفقراء إلا فقرا، والأغنياء إلا غنى. هذا بالإضافة إلى السياسة الليبرالية المتوحشة التي أخلت بالتوازن الاجتماعي وزادت من استفحال البطالة وتهميش الطبقات الشعبية.
كل هذه العوامل وغيرها أفضت الى عجز في التنمية الاجتماعية، على الرغم من مبادرات التنمية البشرية التي فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها.
أصبحت الطبقات الشعبية تعيش في هشاشة غير مسبوقة بفعل سياسات الإقصاء والتهميش التي تطالها على المستويات الاقتصادية، المجالية، الصحية، والتعليمية، إنها طبقات تحس إحساسا قويا بالظلم الاجتماعي والحقرة إلى حد اليأس.
إن مغرب اليوم منقسم إلى أربعة عوالم غير متباينة، وكأنها لا تنتمي إلى بلد واحد:
العالم الأول: مغرب مازال يعيش مع الطاحونة الحجرية ولدغات الأفاعي، حيث يفرش فيه الإنسان الأرض وينام عليها، ويتغدى ويتغذى على الخبز وكأس من أتاي وقليل من زيت الزيتون في عزلة تامة داخل القرى والجبال النائية بلا كهرباء، ولا ماء، ولا مدارس، ولا مستوصفات، ولا وسائل النقل غير ظهور الدواب.
العالم الثاني: مدن شبه جديدة ولدت كالفطريات تحت وطأة الانفجار الديمغرافي في أواخر القرن الماضي، مدن لم تكتمل معالمها بعد، تختلط فيها مظاهر الحياة القروية بالحضرية، فتغيب عنها لبنية التحتية الأساسية، أزقتها غير معبدة، مليئة بالحفر والغبار، ومساكنها عشوائية غير متناسقة.
العالم الثالث: مغرب التي تتكامل فيه المدن نسبيا، يضم شوارع، ومقاهي، ومطاعم، ودور سينما ومسرح، وبنوك، ومدارس وكليات وجامعات وإنترنيت وفضاءات للتسوق والترفيه.
العالم الرابع: مغرب يعيش على إيقاع أوروبا، حيث تفضل فئته الغنية قضاء نهاية أسابيعها وعطلها وجل أوقاتها بين صخب باريز ولندن ونيويورك، فلا يربطها بوطنها سوى البنوك، والعقارات، وجمع الثروات من هنا وهناك، والحفلات والبذخ وشيء من دفئ الشمس وشواطئ البحر الخاصة وأشياء أخرى..
إن ظاهرة الفوارق الطبقية المتفاقمة تنعكس سلبا على جميع المستويات:
سياسيا، تشكل عائقا حقيقيا أمام ترسيخ الانتقال الديمقراطي وتعميقه. فقد أثبتت التجارب العالمية أن نجاح الديمقراطية مرتبط بوجود طبقة متوسطة قوية. وكلما زاد حجم الفوارق الطبقية تراجع وزن هذه الطبقة واستعصت إشكاليات البناء الديمقراطي وتوسيع مجال الحريات وحقوق الإنسان.
اقتصاديا، أظهرت التجارب التنموية في بلدان العالم أن وجود الفوارق الطبقية الصارخة يشكل عائقا حقيقيا للتنمية الاقتصادية وأن الإقلاع الاقتصادي مرتبط بالتخفيف من التشرذم الطبقي و العدالة في توزيع ثروات البلاد.
اجتماعيا، يؤدي تعاظم الفوارق الطبقية الى استفحال ظواهر اجتماعية خطيرة كالسرقة والإجرام وانعدام الأمن وتناسل الخليات الإرهابية، ناهيك عن التوترات الاجتماعية والعنف كوسيلة للتعبير عن الظلم.
نفسيا: تغدي الفوارق الطبقية الإحساس بالحرمان واليأس والانحراف، ومظاهر التطرف، خصوصا أمام تزايد استفزازات الطبقات الميسورة التي تسعى الى المبالغة في المباهاة في عرض ثرواتها وتلميع المؤشرات الخارجية لثراءها وبذخها.
إن هذه الفوارق الطبقية والمجالية ليست قدرا محتوما، وبالتالي يمكن التخفيف من حدتها، عبر برامج تنموية طموحة ولها مصداقية، تركز على:
. الحد من الفوارق المجالية.
. تحسين الأوضاع المعيشية للفئات المستضعفة.
. الحد من الغلاء.
. توفير فرص شغل حقيقية للشباب.
. إعادة النظر في سياسة الأجور وتوزيع الثروة.
. وفرض ضريبة على الثروة.
فالأمر مستعجل.. ولا يمكن الانتظار حتى فوات الأوان.
يكون الهدف منها التقليص من الفوارق المجالية وتحسين الأوضاع المادية للطبقات المغلوبة على أمرها والحد من الغلاء الفاحش للمواد المعيشية وتوفير منافذ للشغل للشباب على جميع المستويات وإعادة النظر في سياسة توزيع الثروات وفي سياسة الأجور في المغرب لتكون عادلة ومنصفة مع إقامة ضريبة على الثروة، فالأمر مستعجل ولا يمكن الانتظار حتى فوات الأوان.