حامي الدين: تجربة "العدالة والتنمية" تطرح أسئلة أعمق من تتبع اختيارات قادته أو تحولات خطابه

15/12/2025 - 09:00
حامي الدين: تجربة "العدالة والتنمية" تطرح أسئلة أعمق من تتبع اختيارات قادته أو تحولات خطابه

قال عبد العالي حامي الدين، الأستاذ الجامعي والقيادي في حزب العدالة والتنمية، إن قراءة تجربة »البيجيدي » تطرح أسئلة أعمق من مجرد تتبع اختيارات قيادته أو تحولات خطابه،  معتبرا أنها تلامس إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة الفعل الحزبي داخل نظام يسمح بالتعددية والانتخابات، لكنه يضبط مآلاتها وحدودها بدقة.

وأوضح حامي الدين،  أن المقال الذي نشره روري مكارثي وسليم حميمنات على موقع   Middle East Journal تحت عنوان: هل يستطيع حزب العدالة والتنمية إعادة بناء نفسه؟ يتناول مسار حزب العدالة والتنمية المغربي بعد هزيمته الساحقة في انتخابات 2021، محاولا تفسير ديناميات الأزمة الداخلية، وأسس الاستراتيجية الجديدة التي يعتمدها الحزب لاستعادة حضوره السياسي. واصفا المقال بأنه واحد من أهم التحليلات الحديثة التي ترصد حزب العدالة والتنمية في المغرب من منظور مزدوج يجمع بين منظور علم السياسة المقارن، ومنظور العلاقة بين الأحزاب والأنظمة السلطوية الهجينة.

 لكن بالرغم دقته التحليلية، اعتبر الأستاذ الجامعي في مقال نشره، أن العمل يتضمن عددا من الفرضيات التي تستحق النقاش، مضيفا أن قراءة التجربة الحزبية المغربية من منظور « البراغماتية الإسلامية » وحده قد لا يكفي لتفسير التحولات العميقة التي عرفها الحزب.

و اعترف بصحة تشخيص المقال لهزيمة حزب « المصباح » سنة 2021 ، و التي أرجعت إلى التنازلات السياسية « المؤلمة » المتعلقة بتوقيع الاتفاق الثلاثي من طرف سعد الدين العثماني رئيس الحكومة السابق والأمين العام للحزب آنذاك، والموافقة على تقنين القنب الهندي وفرنسة التعليم، بالإضافة إلى هندسة انتخابية مقصودة حدّت من قدرته على الفوز، لكن بالمقابل أشار إلى أن هناك أربعة عوامل  حاسمة لهذه الهزيمة ملخصا إياها في أزمة التمثيلية داخل المجتمع المغربي، وتراجع التصويت السياسي لفائدة التصويت النفعي، علاوة على نهاية رصيد دينامية الربيع العربي والموجة الإصلاحية الإقليمية التي استفاد منها الحزب في 2011 ونجح في استدامتها إلى 2016 بفعل تماسك صفه الداخلي، وكذا تأثر العلاقة بين الحركة والحزب، ولاسيما بعد توقيع اتفاقية التطبيع،  موضحا أن العلاقة بين الحزب وحركة التوحيد والإصلاح عرفت اختلالا بنيويا بعد أن وقع سعد الدين العثماني بصفته رئيسا للحكومة الاتفاق الثلاثي تحت أنظار الملك محمد السادس، أما العامل الرابع و الأخير بالنسبة له فهو تصدع الصف الداخلي للحزب، على المستوى القيادي، لاسيما بين الأمانة العامة للحزب بقيادة سعد الدين العثماني آنذاك، وعبد الإله بنكيران رئيس الحكومة الأسبق الذي لم يقبل أي موقع قيادي داخل مؤسسات الحزب منذ المؤتمر الوطني ل2017، واكتفى بتوجيه كلمات للجمهور عبر صفحته على الفايسبوك واليوتوب،

وانتقد حامي الدين المقال لعدم تسليطه الضوء على هذه العوامل التي وصفها بالبنيوية، معتبرا إياها أساسية لفهم الأزمة، كما اتفق مع طرح المقال أن رؤية بنكيران تعتمد على ثلاث مرتكزات هي الهوية الإسلامية، الدفاع عن فلسطين، نقد حكومة أخنوش.

وفي ذات السياق يرى أن ما يحدث ليس عودة خطابية بغرض انتخابي فقط، بل هو، يمثل في نظر بنكيران، تصحيحا لخطاب الحزب بعد انغماسه في التدبير العمومي، وحاجة الحزب إلى استعادة هويته الأصلية بعد عشر سنوات في السلطة، تراجع فيها خطاب الهوية داخل الحزب. ولكن هذه العودة في نظري، بقدر ما تمثل محاولة جادة لتجميع قواعد الحزب على أرضية المرجعية الإسلامية واستعادة جمهور المحافظين، مؤكدا أنه بقدر ما تمثل هذه الخطوة محاولة جادة لتجميع قواعد الحزب على أرضية المرجعية الإسلامية واستعادة جمهور المحافظين، فإنها تظل بعيدة عن ادعاء امتلاكها لمشروع مجتمعي متكامل الذي يظل منفتحا على مرجعيات الكسب الإنساني في مجال التدبير السياسي وتنظيم السلطة.

وفي الشق المتعلق بنقد الحكومة الحالية، أشار المتحدث ذاته إلى أن حزب العدالة والتنمية استثمر إلى حد بعيد خبرته التدبيرية لتوجيه ملاحظات دقيقة للأداء الحكومي، وفضح العديد من انزلاقاتها خصوصا ما يتعلق بتضارب المصالح لدى أعضاء ورئيس الحكومة ومراكمة الثروة عن طريق صفقات عمومية افتقرت إلى الشفافية والنزاهة، وصرح بنجاح الحزب في التموقع ك “أول حزب معارض في البرلمان » رغم أنه يتوفر على مجموعة برلمانية من 13 عضو فقط.

كما دعا إلى نقاش فكرة الانتقال الجيلي التي يثيرها المقال ويربطها بأسماء قيادية معينة، ، ،مشددا على أن الأمر ليس غاية في حد ذاته، حيث المطلوب هو ضمان استمرارية رسالة الحزب الإصلاحية وتطوير خطابه بما يساير المستجدات السياسية والاقتصادية، وذلك على ضوء خبرته المتراكمة في التدبير، وعلى ضوء المراجعات المطلوبة لنظرته للعديد من القضايا..

وتابع  باعتبار المؤتمر الأخير لم يستطع التخلص من منطق « الزعامة الكارزمية »، غير أنه أوضح بأنه في نفس الوقت لم يركن إلى « أطروحة الاختيار الحتمي » لبنكيران وإنما أعاد التأكيد على قيمة التنافس الانتخابي وتعددية المرشحين، رغم أن مساطر الحزب لا تسمح للأعضاء بترشيح أنفسهم وفق برامج وأفكار تنافسية، ومع ذلك تبقى الممارسة الديموقراطية داخل حزب العدالة والتنمية من أرقى التجارب الحزبية في المغرب. على حد تعبيره.

و خلص الأستاذ الجامعي إلى أن المقال يقدم قراءة مفيدة لمسار حزب العدالة والتنمية، لكنه يميل إلى تفسير التحولات الداخلية اعتمادا على الفاعلين داخل الحزب أكثر من الاعتماد على بنية النظام السياسي، ولهذا السبب دعا إلى التعامل بنوع من النسبية مع الاستنتاج القائل بأن الحزب قد يستعيد قوته، وأنه قادر على إعادة التموضع في المدى القريب، معتبرا بأن ملامح مستقبل الحزب داخل « معادلة سياسية مغربية معقدة »، لا تتحكم فيها دينامية الحزب الداخلية وعلاقته بالجمهور فقط، ولكن تتحكم فيها أيضا « البيئة السياسية العامة » التي تبقي الأحزاب في موقع « التدبير داخل الحدود » ولم تعد تسمح بالمفاجأة الانتخابية..

شارك المقال