شهدت أبوظبي الأسبوع الماضي فعاليات “أسبوع أبوظبي للاستدامة” (Abu Dhabi Sustainability Week – ADSW)، وهو الحدث الذي يُعد منذ أكثر من عقد منصة محورية لقطاع الطاقة المتجددة والاستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويضم الأسبوع عادة سلسلة من المؤتمرات رفيعة المستوى، وجلسات حوار بين صناع القرار والمستثمرين، إضافة إلى معرض يجمع كبار الفاعلين في مجالات الطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر، وكفاءة الطاقة، والتمويل المناخي.
غير أن نسخة هذا العام بدت، بحسب مراقبين ومشاركين، باهتة على نحو غير معتاد، سواء من حيث عدد ونوعية العارضين، أو مستوى النقاشات المطروحة في الندوات، أو حتى كثافة الحضور الدولي. وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل يتعلق الأمر بظرف عابر، أم أنه يعكس تحولات أعمق في خريطة النفوذ الإقليمي في قطاع الطاقة النظيفة؟
ركود عالمي وتباطؤ في مشاريع الانتقال الطاقي
التفسير الأول يرتبط بالسياق الدولي العام لصناعة الطاقات النظيفة. فبعد سنوات من الزخم السياسي والإعلامي المصاحب لخطط “الحياد الكربوني” واتفاقيات المناخ، دخل القطاع مرحلة من التباطؤ النسبي. كثير من التعهدات الحكومية لم تتحول بعد إلى مشاريع صناعية كبرى، في ظل ارتفاع كلفة التمويل، واضطراب سلاسل التوريد، وتراجع شهية المستثمرين نتيجة عدم اليقين الجيوسياسي.
في هذا المشهد، تبدو منطقة الخليج استثناءً جزئياً، ولا سيما المملكة العربية السعودية التي ضخت استثمارات ضخمة في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر ضمن “رؤية 2030”، واستقطبت شركات عالمية لإنشاء مصانع ومراكز هندسية داخل أراضيها.
المنافسة السعودية – الإماراتية: من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية
أما التفسير الثاني، والأكثر حساسية، فيتعلق بتصاعد المنافسة بين أبوظبي والرياض على قيادة المشهد الاقتصادي والطاقة في المنطقة. فمنذ قرار السعودية إلزام الشركات الأجنبية الراغبة في التعاقد مع الحكومة بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض ابتداءً من عام 2024، بدأت موجة انتقال تدريجية لمكاتب إدارية وهندسية من دبي وأبوظبي إلى العاصمة السعودية.
وقد انعكس ذلك بوضوح على قطاع الطاقة، حيث فضّلت عدة شركات كبرى توطين أنشطتها قرب المشاريع العملاقة التي تطلقها المملكة، مثل “نيوم” ومجمعات الهيدروجين الأخضر في شمال غرب البلاد.
في الوقت نفسه، شهدت العلاقات السعودية – الإماراتية خلال العامين الأخيرين فتوراً متزايداً، بعد مرحلة طويلة من التنسيق الوثيق. وبرزت خلافات حول ملفات إقليمية، أبرزها اليمن، إضافة إلى تباينات في مقاربة أسواق النفط داخل “أوبك+”، وسياسات جذب الاستثمار الأجنبي.
إعادة تموضع إقليمي وتحالفات متحركة
على المستوى الجيوسياسي الأوسع، تأتي هذه التطورات في سياق إعادة تشكل التحالفات الإقليمية والدولية تجلى في عقد السعودية في سبتمبر الماضي شراكاتها الاستراتيجية مع باكستان وتركيا في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية ، إلى جانب توسيع نفوذها السياسي في ملفات إقليمية مثل سوريا والسودان والقرن الأفريقي.
في المقابل، فقد كثّفت الإمارات شراكاتها الدفاعية والاقتصادية مع قوى آسيوية صاعدة، وفي مقدمتها الهند، التي باتت شريكاً رئيسياً في مشاريع الطاقة والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى التعاون الأمني والتكنولوجي تتوج بتوقيع الإمارات مع الهند هذا الأسبوع إتفاقية دفاع مشترك مصحوب بإتفاقات فيما يخص أستثمارات في قطاع الطاقة و الغاز المسال
ويرى محللون أن المنطقة تتجه تدريجياً نحو تبلور محورين اقتصاديين – سياسيين متنافسين، لا بالضرورة في صيغة تحالفات صلبة، بل في شكل شبكات مصالح متداخلة تسعى كل دولة من خلالها إلى تثبيت موقعها في سلاسل القيمة العالمية للطاقة والتكنولوجيا.
هل يفقد “أسبوع أبوظبي للاستدامة” بريقه؟
في ضوء هذه التحولات، يبدو فتور نسخة هذا العام من “أسبوع أبوظبي للاستدامة” مؤشراً رمزياً على اشتداد المنافسة الإقليمية في قطاع كان حتى وقت قريب أحد مصادر القوة الناعمة الإماراتية. فالإمارات، التي كانت سبّاقة إلى تأسيس “مصدر” واستضافة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، تجد نفسها اليوم أمام تحدي الحفاظ على موقعها في سوق تتغير موازينه بسرعة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: ما هي انعكاسات هذه التحولات على المغرب سواءا فيما يتعلق بقطاع الطاقة أو التموضع الإستراتيجي للمملكة في ظل التقلبات العالمية؟