سعيد بنيس: الفساد تسلل إلى محاضن التنشئة المجتمعية... والمطلوب اعتماد مقاربة "الفسادولوجيا"

13/02/2026 - 20:00
سعيد بنيس: الفساد تسلل إلى محاضن التنشئة المجتمعية... والمطلوب اعتماد مقاربة "الفسادولوجيا"

قال سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، اليوم الجمعة، إنه يجب « الإقرار بأن الفساد الذي تسلل إلى المحاضن الرمزية للتنشئة المجتمعية هو من أخطر أنواع الفساد، لأنه قد يتحول من حالات فساد مجتمعي إلى حالات فساد مستدام ».

وأوضح بنيس في حفل تقديم كتاب جماعي أشرفت عليه الهيئة الوطنية للنزاهية والوقاية من الرشوية ومحاربتها، أن الفساد قد يتحول من « خلل فى التنشئة المواطنة إلى استدامة وضعية الفساد القيمي، ومن مجتمع الوساطة إلى مجتمع الوسطاء «الشناقَة»، هذا الانتقال المجتمعى يُحتم كذلك التفكير عميقا في مقاربة جديدة وحصرية لظاهرة الفساد المجتمعي تحت مسمى « الفسادولوجيا » أو « علم الفساد ».

شروخ المعنى

وقال بنيس، إنه يقترح في مساهمته في الكتاب الجماعي، مقاربة جديدة لمعضلة الفساد، تحت مسمى «الفسادولوجيا» أو «علم الفساد» قياسا على «الكريمينولوجيا» أو «علم الجريمة» على أساس أن الجريمة والفساد هما ظاهرتان مستفحلتان في المجتمعات.

وتتوخى هذه المحاولة مقاربة ظاهرة الفساد من خلال فرضية مفادها أن المجتمع بصدد الانتقال من مجتمع « الوساطة » إلى « مجتمع الوسطاء »، وكذلك عبر التحول من مقاربة سوسيولوجية إلى مقاربة ترابية تساعد على نحت مفاهيم تُمكن من التداول في منطق وممارسات جديدة يمكن فهمها وتوصيفها من داخل منهجية نوعية وكيفية تحت مسمى « الفسادولوجيا ».

وشدد المتحدث، على أنه « صارت الحاجة ماسة لبناء منهجية وإبداع منهج يُمَكِّنان من تناول ظاهرة الفساد فى سياقها وبيئتها المغربية، تساهمان في استشراف مآلات الفساد المجتمعي واستباق الوقائع والأحداث، واقتراح المخرجات والحلول ».

في هذا السياق، يضيف بنيس، « يمكن اعتبار الفساد الذي يمس بعض البنيات المجتمعية مثل الأسرة والمدرسة أو الجامعة والأحزاب والجمعيات المدنية والنوادي ودور الشباب، والتي تعد من بين مواقع التنشئة وتشكل بالموازاة محضنا للحفاظ على القيم وكذلك آلية للتمكين المواطناتي، فسادا ينخر المجتمع عموديا وأفقيا ويتسبب في زعزعة بعض مقومات العيش المشترك ومرتكزات الرابط الاجتماعي ».

اختيار تلك المؤسسات المجتمعية، كموقع للبحث الميداني من داخل مقاربة « الفسادولوجيا »، وفق الباحث السوسيولوجي، « يساعد على التمكين المنهجي في فهم تمفصلات مجتمع الريع بمجتمع الاستحقاق، لاسيما أن سؤال علاقة الريع بالاستحقاق يشكل سؤال الانطلاق لتوصيف وتبيئة الأبحاث حول الفساد في المجتمع المغربي ».

وأضاف، « أما فيما يمت لمجتمع البحث وعينة المبحوثين، فالارتكاز على الأطفال والشباب واليافعين سيساهم في تشخيص وضعية الفساد المجتمعي الناجمة عن حالة الاحتباس القيمي الذي قد يؤدي إلى رهن مستقبل الأجيال القادمة كما يرهن الاحتباس الحراري مستقبل الأرض ».

من هذا المنطلق، يؤكد بنيس، « ستمكن هذه المقاربة المتخصصة، «الفسادولوجيا»، من ضبط إيقاع ثنائية مجتمع الوساطة ومجتمع الوسطاء وتدبير مأزق منظومة القيم في علاقتها بالنزوعات المجتمعية للفساد في أفق تحديد الممارسات الفضلى التي تساعد على رسم ملامح المواطنة الإيجابية ».

ومع انسحاب وتراجع الوساطة المجتمعية للأسرة والمدرسة والأحزاب والجمعيات المدنية والنوادي ودور الشباب، من معترك تربية الأطفال وتأطير اليافعين وتوجيه الشباب، يقول بنيس، « تولدت عن هذا الفراغ وهذا التراجع هويات تعويضية «متوحشة» وذوات مندفعة جارحة ترى في الفساد المجتمعي متنفسا للتعويض عن الحرمان والإقصاء والفشل ».

وذهب بنيس إلى أن « الانهيار المتسارع لمنظومة القيم، تسبب في توهج ثنائية تتقابل فيها مصفوفة القيم المنشودة (العيش الكريم وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية…)، وتلاعبات الفساد التي تمتح من واقع التفقير القيمي الذي أفضى إلى عدوى الفساد المجتمعي من خلال مقولات «قافز»- «وَاعَرْ»- «مَسْمَارُ»- «بريكادُ»- «رَاجَلْ»… وتتأرجح هذه التمثلات القيمية بين المعنى العام والمعنى الحقيقي للقدوة المجتمعية ».

فالقيم المنشودة، يضيف السوسيولوجي، « تبنى على قاعدة متذبذبة وغير قارة، تستمد قوتها من ازدواجية غير متجانسة »، مضيفا، « فمثلا مقولة «القُفُوزية» تحيل على ذكاء جمعي، يرتبط بآلية تسلق مجتمعية تبدو مثالية وسهلة، ولا تخضع لمسألة مصدر وحقيقة ومنطق «قصص» النجاح القابعة في الفساد المجتمعي ».

واستعجل بنيس، « الارتكاز على وساطة مجتمعية أساسها التحسيس بأهمية وعمق وجدوى المواطنة الهادئة، للخروج من مأزق الفساد وتلاعبات الوسطاء والتفاوض حول نبذ جميع مرجعيات ثقافة الريع، سواء منها المحلي أو الجهوي أو الوطني أو الدولي، مما يستلزم النأي بعيدا عن جميع أصناف الانهزامية القيمية الفردية منها والجمعية، والتشبث بالقيم اللامادية، مثل النبل والصدق والتضامن والالتزام والممارسات الإيجابية ».

وخلص بنيس إلى القول، بأن « الحاجة أضحت ملحة لكي تعتمد المدرسة المغربية، باعتبارها مدخلا، على مرتكز « التربية » عوض مرتكز « التعليم »، من خلال إحداث مواد ومسارات وورشات لتثبيت ركائز التربية الأخلاقية والتمرين على الممارسات القيمية، بهدف تجنب المأزق القيمي الصاعد من الريبرتوار الديجيتالي المغربي، كما ستمكن هذه الآليات من استشراف إصلاح تربوي يستمد روحه وقوته من برامج تربية قيمية مستدامة، لتفادي بناء جيل يفتقر للحد الأدنى من القيم المواطنة، ويكون ضحية سهلة للفساد المجتمعي ».

شارك المقال