قال الكاتب والمفكر المغربي، نور الدين أفاية، إن « مقتضيات الدستور تبقى معلقة بخصوص النزاهة والضبط »، وذلك ضمن مساهمته في كتاب جماعي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، جرى تقديمه مساء الجمعة بالرباط، بحضور رئيس الهيئة محمد بنعليلو.
وأعتبر أفاية ضمن مساهمته، أن « مظاهر الفساد ازدادت استشراء وتوسعا وانتقل المغرب، حسب معطيات «الهيئة الوطنية»، من الرتبة 73 ضمن 180 دولة سنة 2018 إلى الرتبة 97 سنة 2023 متراجعا بـ24 رتبة خلال السنوات الخمس الأخيرة ».
وقال أيضا، « نواجه تضخما لفظيا عن النزاهة والفساد وعن القيم في بلادنا وعن أزمتها؛ ومن جميع الفئات والجهات والمراجع »، مضيفا، « مؤسسات الدولة هي أكثر من يعرف ما يجري في أحشاء المجتمع من تعبيرات، أو تغيرات، أو فساد؛ مثلما يحصل ذلك في ردهات المحاكم، وفي مصالح الشرطة، والدرك، والجمارك، والإدارات الترابية، وفي العديد من الهيئات التي تستقبل مشاكل المجتمع، وتنصت لمختلف تمظهرات الفساد، والانحراف ».

ويرى عضو اكاديمية المملكة، أنه « في ضوء ما يجري من وقائع ومتابعات، وتجاوزات، سيكون من قبيل تحصيل الحاصل تكرار القول إن من واجبات الدولة، في كل مستويات القرار فيها، أن تحرص على ترجمة وتفعيل ما عمل «الضمير الجمعي» المغربي على بلورته وصياغته في تصدير الدستور من قيم، والمتمثلة في: «بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون ».. وتوطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم ».
وشدد على أن « ما بات مطلوبا من كل أجهزة الدولة هو «الوفاء» لهذه القيم من خلال القانون؛ وذلك من خلال ضخ هذه القيم في التربية، والمنظومة التعليمية، ولا سيما العمومية منها؛ وفي الإعلام العمومي، والخاص أيضا بحكم التزامه في دفاتر التحملات بتقديم خدمة عمومية ».
وقال الكاتب أيضا، إن « للسياسة أكثر من معنى، وتُوظّف ضمن أكثر من تصور من أجل تحقيق غايات المصلحة العامة ». وتمثل السياسة، وفق أفاية، في « تدبير شؤون الناس، وفي الكيفية التي بها يتم إشراكهم في الشأن العام، أو استبعادهم منه، وهي تعبر عن الطرق المختلفة لضمان المصالح الفردية والجماعية في ارتباطها بالمرجعيات المعيارية المُحدّدة لممارسة الفعل السياسي، وفي احترامها لمقتضيات القانون.
وذهب أفاية إلى القول بأنه « لما كانت الديمقراطية تقوم على قاعدة المشاركة، وتقاسم السلطة والتداول على الأجهزة التنفيذية، وعلى المحاسبة؛ وحين اختار المغرب في دستور 2011 وضع القواعد المعيارية والسياسية والاجتماعية الداعمة للمشروعية والمشاركة والمعارضة، فإن ترجمة مقتضياته طيلة السنوات التي مرت على اعتماده، بينت مقاومات كبيرة في تطبيق روح الدستور في الممارسة وفي النتائج ».
وتحدث الكاتب عن « انحراف في التطبيق للعديد من المقتضيات التي عمل العقل الجمعي الوطني على تثبيتها في النص ولا سيما ما يتعلق بالعدالة والمساواة، والحرية، والأدوار المهمة التي منحت لهيئات الضبط، بما فيها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ».
وقال أفاية أيضا، « لقد جرت تحولات كبرى في المجتمع منذ أكثر من نصف قرن.. هي فوضى نتاج سلسلات إفساد وفساد كبير تشوه المجال والسكن وأماكن عيش الناس »، مشيرا إلى أن « لعل أهم عامل أحدث خلخلة كبرى في عادات المغاربة وقيمهم، يتمثل في الزج بهم في نظام استهلاكي مفتوح، مما ساهم في انتشار الاعتبارات المادية التي فرضت سطوتها على النظر إلى الذات وإلى قيمة الآخر، وأنتجت مواقف وسلوكات تبرر الوصول إلى الغايات كيفما كانت الوسائل، وتحتفل بالحصول على مكتسبات وأموال سواء بالغش والتحايل أو التمويه، أو نهب المال العام حتى ».
ويظهر أن ثمة مشاكل كبرى لم يتمكن الفاعل السياسي في بلادنا من وضع السياسات المناسبة لحلها وتجاوزها، يقول أفاية، « وهي مشاكل ناجمة عن نقص كبير في تفعيل القيم الواردة في الدستور، ومنها استشراء مظاهر الفساد، وهو ما يلغي قيمة النزاهة والكرامة؛ وتضارب المصالح، وهو ما يُعطل قيمتي المساواة وتكافؤ الفرص ».
وشدد على أن « النظام الديمقراطي في الدستور المغربي غدا ثابتا من بين الثوابت الأساسية للدولة المغربية، غير أن تصريف هذا الاختيار ما تزال تعتوره عوائق ومقاومات، ومنها ما يهم آليات التقييم، ومراقبة من يتصرف في المال العام، ومحاسبته، ومساءلة من هو مكلف بتأمين المرافق العمومية والحرص على المصلحة العامة ».