«غيّرت إسبانيا… رغم كل شيء». بهذه العبارة يختصر خوان كارلوس الأول الفكرة المحورية في الجزء الرابع من مذكراته: انتقال البلاد من الديكتاتورية إلى الديمقراطية كان وفق روايته، ثمرة إرادته الشخصية شبه المنفردة. سردية بطولية مريحة، لكنها بعيدة عن الدقة التاريخية. فالانتقال الإسباني لم يكن عملاً فردياً، بل مساراً جماعياً شديد التعقيد تشابكت فيه إرادة الإصلاحيين، وضغط المعارضة، وحراك المجتمع، وسياق دولي لا يمكن تجاهله.

منذ الصفحات الأولى، يقدّم الملك السابق نفسه باعتباره المحرّك الرئيسي للتاريخ. صحيح أنه يعترف أحياناً بأدوار الآخرين، غير أن هذا الاعتراف يبقى دائماً محكوماً بمنطق يجعلهم تابعين لمشروعه الشخصي. يقول مثلاً: «لولا الإسبان لما حققت شيئاً»، لكنه يضيف مباشرة أن أهدافه كانت تقود المسار وأن الآخرين تحركوا ضمن رؤيته. هنا تظهر المفارقة الأساسية في الكتاب: الشعب حاضر باعتباره خلفية، لا فاعلاً تاريخياً مستقلاً.
أدولفو سواريث: المحرك الحقيقي للإصلاح
من بين الأسماء التي تتكرر في سرد الانتقال، يبرز اسم أدولفو سواريث بوصفه شخصية مفصلية. الملك نفسه يقرّ بذلك حين يقول: «إذا كان هناك سياسي أوفى بكل وعوده فهو أدولفو سواريث… بفضل ديناميكيته جرّ معه إسبانيا كلها». اعتراف واضح يحمل في طياته تناقضاً عميقاً مع أطروحة البطولة الفردية.
سواريث لم يكن منفّذاً لقرارات القصر فحسب، بل كان المهندس السياسي الفعلي للإصلاح. هو من أقنع أركان النظام الفرنكاوي بالتخلي عن جزء من سلطتهم من أجل البقاء داخل النظام الجديد، وهو أيضاً من فتح قنوات التفاوض مع المعارضة التي كانت تعمل في السر. لقد وضع رأسماله السياسي على المحك، وتحمل المخاطر المباشرة في لحظة كانت البلاد تقف فيها على حافة المجهول.
يروي خوان كارلوس علاقة شخصية قوية جمعته بسواريث، متحدثاً عن «تفاهم يكاد يكون من دون كلام». غير أن التفاهم لا يعني بالضرورة قيادة فردية. فالثقة شيء، وصناعة القرار السياسي شيء آخر. الملك اختار سواريث لأنه يجسد «الإصلاح دون قطيعة»، أي لأنه قادر على التحرك داخل آليات النظام نفسه. وهذا الاختيار يكشف حقيقة أساسية: الملك كان بحاجة إلى سياسي محترف يعرف خبايا الدولة، لأن دوره وحده لم يكن كافياً لإنجاز التحول.
توركواتو فرنانديث-ميرندا: المهندس القانوني المنسي
إذا كان سواريث هو المحرك السياسي، فإن توركواتو فرنانديث-ميرندا كان العقل القانوني للعملية بأكملها. الأستاذ السابق للملك تحمّل مهمة معقدة: تفكيك نظام فرانكو باستخدام قوانينه نفسها. يعترف خوان كارلوس صراحة بأن ميرندا صاغ نصاً قانونياً سمح بتجاوز الشرعية القائمة من داخلها، أي تحويل أدوات النظام إلى وسائل لإلغائه.
هذه الخطوة كانت جوهر الانتقال. لم يكن الأمر قراراً رمزياً أو خطاباً عاماً، بل هندسة قانونية دقيقة تطلبت مفاوضات طويلة وإقناعاً فردياً لأعضاء المؤسسات الفرنكاوية بالتصويت على إنهاء دورهم السياسي. كان ميرندا يجري لقاءات شخصية لإقناع المترددين، بينما كان سواريث يستخدم مهاراته السياسية لتليين المواقف.
أما الملك، وفق روايته هو نفسه، فقد ركز على الظهور العلني وكسب التأييد الشعبي. دور مهم من الناحية الرمزية، لكنه يظل مختلفاً عن العمل السياسي والتشريعي اليومي الذي صنع فعلياً مسار الإصلاح.
ثلاثي الانتقال لا أسطورة الفرد الواحد
في أحد المقاطع اللافتة، يقرّ خوان كارلوس بأن صيف 1976 شهد عملاً مشتركاً بينه وبين سواريث وفرنانديث-ميرندا لوضع أسس القانون السياسي الجديد. ثلاثة أشخاص، لا شخصاً واحداً. هذا الاعتراف وحده كافٍ لتفكيك صورة «الملك الوحيد» التي يحاول الكتاب ترسيخها.
فالانتقال الديمقراطي لم يكن نتيجة قرار فوقي معزول، بل حصيلة توازن دقيق بين إرادة سياسية إصلاحية وخبرة قانونية عميقة وظروف اجتماعية متغيرة. الملك كان جزءاً من هذا الثلاثي، وربما الوجه الأكثر ظهوراً منه، لكنه لم يكن المحرك الوحيد.
حين تتحول الذاكرة إلى أسطورة
المشكلة ليست في الاعتراف بدور الملك، فالتاريخ لا ينكر أنه لعب دوراً مهماً في تثبيت المسار وتفادي بعض الصدامات. الإشكال يبدأ حين تتحول الذاكرة إلى سردية فردية تختزل عملاً جماعياً معقداً في إرادة شخص واحد. فالتاريخ لا يُصنع بالصور الرمزية وحدها، بل بتراكم القرارات والمفاوضات والتنازلات التي قام بها فاعلون متعددون.
عند هذه النقطة يبرز سؤال جوهري: إذا كان السياسيون هم من فاوضوا، والقانونيون هم من صاغوا، فمن أين جاءت أسطورة «الرجل الذي غيّر إسبانيا وحده»؟