دعا تقرير حديث صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى مراجعة عاجلة لمنظومة تدبير قطاع الصيد البحري بالمغرب، محذراً من استمرار الضغوطات المتزايدة التي تهدد التنوع البيولوجي وتسرّع من وتيرة استنزاف المخزونات السمكية؛ وهو ما يضع التوازنات البيئية الهشة للمملكة على المحك.
وحسب الرأي المجلس ، فإن قطاع الصيد البحري يُعد ركيزة اقتصادية حيوية، حيث يساهم بنحو 2% من الناتج الداخلي الخام، وبحجم صادرات بلغ 1.42 مليون طن سنة 2024 بقيمة ناهزت 16.3 مليار درهم مما يضع المغرب في المرتبة الأولى إفريقياً والـ13 عالمياً. غير أن هذا الزخم المالي والتشغيلي الذي يوفر أزيد من 250 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، يخفي وراءه معضلات بنيوية تهدد استدامته.
وأفاد التقرير أن استغلال المخزونات السمكية يقترب في عدة مناطق من الحد الأقصى للإنتاج المستدام، بل ويتجاوزه في أحيان كثيرة. وسجلت المعطيات الرقمية وضعاً « مقلقاً للغاية » لعدة أصناف ذات قيمة تجارية عالية، لاسيما في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
ووفق جدول وضعية المخزونات الذي تضمنه التقرير، فإن أسماك « السردين » بالبحر الأبيض المتوسط تعاني من استغلال مفرط وفي تراجع وهو المصير ذاته الذي يواجه أسماك « الميرلا البيضاء »، و »القريدس الوردي » (الكروفيت)، و »سمك القرب » (courbine)، بالإضافة إلى « سمك الوراطة الوردي » (Daurade rose) في المحيط الأطلسي.
أما في البحر الأبيض المتوسط، فقد بلغت بعض الأصناف مرحلة الوضع المقلق حيث لم تعد الكتلة الحيوية لأسماك « القريدس الوردي » تتجاوز 23% من مستواها الأمثل، في حين توقفت النسبة لدى « سمك الصول الأحمر » عند حدود 35% وفي المقابل، يشهد مخزون « الأخطبوط » بالجنوب الأطلسي حالة « استغلال كامل » يخضع لنظام الحصص والراحة البيولوجية، مع الإشارة إلى استمرار وجود تجاوزات.
وعزا المجلس هذا التدهور البيئي إلى جملة من الممارسات غير القانونية واللاإيكولوجية؛ وعلى رأسها استمرار الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم، وعدم احترام فترات الراحة البيولوجية، وصيد صغار الأسماك، فضلاً عن استعمال معدات صيد مدمرة، حيث يُقدر التقرير وجود نحو 1000 قارب تنشط بممارسات غير مطابقة للمعايير في بعض مناطق الجنوب.
كما انتقدت الوثيقة نسبة « الإرجاع في البحر » (الرمي) التي تصل في البحر الأبيض المتوسط إلى 22.8% من الكميات المصطادة، مما يشكل هدراً حقيقياً للثروة البحرية. وزاد من حدة هذه الأزمة توجيه جزء مهم من المصطادات (أزيد من 140 ألف طن من الدقيق وزيت السمك سنة 2023 بقيمة 225 مليون دولار) نحو التثمين الصناعي منخفض القيمة، عوض التركيز على الأمن الغذائي المباشر للمواطنين.
وإلى جانب الضغط البشري والصناعي، تواجه النظم الإيكولوجية البحرية بالمغرب مخاطر التلوث، والتوسع العمراني الساحلي، والصيد بشباك الجر في القاع، وهي عوامل تزيد من حدتها التغيرات المناخية عبر ارتفاع حرارة المياه وتحمض المحيطات، مما يضعف السلاسل الغذائية البحرية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وخلص تقرير المؤسسة الدستورية الاستشارية إلى أن السياسات العمومية المرتبطة بالصيد البحري ما زالت تتمحور أساساً حول أهداف الإنتاجية والـتثمين الصناعي والـتصدير، مع تركيز المجهود على أصناف محدودة.
وأكد المجلس أن تدبير القطاع لا يزال يرتكز، في نظر الفاعلين البيئيين، على مؤشرات كمية ترتبط بحجم المفرغات، في مقابل غياب مقاربة إيكولوجية شمولية تدمج التفاعلات بين التنوع البيولوجي، المناخ، والأنشطة البشرية لضمان استدامة حقيقية « للذهب الأزرق » المغربي.