الانتقال الديمقراطي كعمل جماعي: الأحزاب... المجتمع... والذاكرة المتنازع عليها (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة السابعة)

25/02/2026 - 17:00
الانتقال الديمقراطي كعمل جماعي: الأحزاب... المجتمع... والذاكرة المتنازع عليها (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة السابعة)

إذا كانت الحلقة السابقة قد ركّزت على تفكيك أسطورة «الملك الذي غيّر إسبانيا بمفرده» من خلال إبراز أدوار الفاعلين السياسيين داخل مؤسسات الدولة، فإن هذه الحلقة توجّه النظر نحو العناصر التي تكاد تغيب عن سردية خوان كارلوس الأول: الأحزاب السياسية، دينامية المجتمع، والسياق الدولي الذي لم يجعل الانتقال الديمقراطي ممكناً فقط، بل فرضه كخيار تاريخي لا مفرّ منه.

الأحزاب السياسية: شركاء لا ضيوف
أحد أكثر الفصول حساسية في مسار الانتقال كان تقنين الحزب الشيوعي الإسباني. يقدّم الملك هذه الخطوة في مذكراته كدليل على جرأته السياسية، مشيراً إلى اتصالات سرية ولقاءات غير مباشرة سبقت وفاة فرانكو. لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: الحزب الشيوعي لم يدخل العملية الديمقراطية بفضل «مكرمة» ملكية، بل نتيجة تفاوض سياسي صعب وتنازلات متبادلة.
فالحزب، بقيادة سانتياغو كاريو، تخلى عن خطابه الثوري التقليدي، وقبل بالنظام الملكي، وتبنّى ما عُرف باليورو-شيوعية استجابة للتحولات الأوربية. لم يكن ذلك خضوعاً لإرادة القصر، بل قراراً استراتيجياً من المعارضة نفسها لإتاحة انتقال سلمي. الملك يعترف ضمنياً بهذه الحقيقة عندما يقر بأن الحزب «قبل» عملية التحول، أي أنه كان فاعلاً يفاوض، لا طرفاً يتلقى الأوامر.
الوضع نفسه ينطبق على الحزب الاشتراكي بقيادة فيليبي غونثاليث، الذي لعب دوراً محورياً في إعطاء الشرعية الديمقراطية للمسار الجديد، سواء عبر حضوره الاجتماعي أو مشاركته في التفاوض السياسي. ومع ذلك، يظهر في المذكرات كعنصر ثانوي، وكأن الديمقراطية جاءت من أعلى لا من توازنات القوى داخل المجتمع.
ضغط الشارع: الشعب الذي يختفي من الرواية
يقول خوان كارلوس في أكثر من موضع: «لولا الإسبان لما حققت شيئاً». لكنها عبارة تبدو في الكتاب أقرب إلى مجاملة خطابية منها إلى اعتراف حقيقي. فالإسبان، كما يُصوَّرون في السرد، مجرد جمهور يصفق أو يصوّت، لا قوة ضغط فرضت واقعاً جديداً.


الواقع التاريخي مختلف تماماً. سنوات 1976 و1977 شهدت موجة واسعة من الإضرابات العمالية، ومظاهرات تطالب بالعفو السياسي، وتحركات نقابية وطلابية جعلت استمرار النظام الفرنكاوي أمراً مستحيلاً. كانت الشوارع، إلى جانب المفاوضات السياسية، أحد محركات التغيير الرئيسية.
استفتاء ديسمبر 1976 على قانون الإصلاح السياسي، الذي حصد دعماً ساحقاً، لا يمكن فهمه كتصويت على الملك بقدر ما كان تصويتاً على الديمقراطية نفسها. الإسبان لم يمنحوا شيكاً على بياض للملكية؛ بل عبّروا عن رغبة عميقة في إنهاء مرحلة تاريخية بأكملها. الشرعية جاءت من المجتمع، وليس من إرادة فردية مهما كان موقعه.
حتى أول انتخابات ديمقراطية سنة 1977، التي يصفها الملك بأنها «احتفال شعبي»، كانت نتيجة عقود من النضال السري والقمع والسجون والمنفى. خلف الصورة الاحتفالية كان هناك تاريخ طويل من المقاومة السياسية لا يظهر في رواية البطولة الفردية.
السياق الدولي: الحلقة المفقودة
عنصر آخر يكاد يغيب عن مذكرات خوان كارلوس هو المناخ الدولي. أوربا في السبعينيات لم تكن مستعدة لقبول إسبانيا غير ديمقراطية داخل فضائها السياسي والاقتصادي. الانفتاح الأوربي، وسياسة الانفراج بين الشرق والغرب، وصعود تيار اليورو-شيوعية، كلها عوامل دفعت نحو انتقال توافقي.
إسبانيا، الخارجة من عزلة سياسية واقتصادية، كانت بحاجة إلى الاندماج في السوق الأوربية ومؤسسات الغرب الديمقراطي. هذا الاندماج لم يكن ممكناً من دون إصلاحات عميقة. بمعنى آخر، التحول لم يكن مجرد خيار شخصي للملك، بل ضرورة تاريخية فرضتها الظروف الإقليمية والدولية.
حين يتحدث خوان كارلوس عن رغبته في «إدخال إسبانيا إلى أوربا»، فإنه يتجاهل أن أوربا نفسها كانت تشترط الديمقراطية كمدخل أساسي. لم يكن ممكناً الحفاظ على نظام فرانكو في عالم يتغير بسرعة.
انتقال جماعي لا ملحمة فردية
كل هذه العناصر — الأحزاب، المجتمع، السياق الدولي — تكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي ترسمها المذكرات. الانتقال الديمقراطي الإسباني كان عملية تفاوض معقدة، مليئة بالتوازنات الدقيقة والتنازلات المتبادلة.
أدولفو سواريث خاطر بمستقبله السياسي، وفرنانديث-ميرندا صاغ الإطار القانوني، والمعارضة قبلت إصلاحاً تدريجياً بدل القطيعة، والمجتمع مارس ضغطاً مستمراً، فيما منح السياق الدولي دفعة إضافية نحو التغيير. داخل هذه اللوحة المتعددة، لعب الملك دوراً مهماً، لكنه لم يكن المخرج الوحيد للمشهد.
المفارقة أن لغة خوان كارلوس نفسه تفضح هذا الواقع. فهو يتحدث عن «الحلفاء التنفيذيين» وعن العمل المشترك، ويصف الانتقال بأنه أشبه بالإبحار في عاصفة. لكن السفينة لا تتحرك بالقبطان وحده؛ تحتاج إلى طاقم كامل.
بين الذاكرة والتاريخ
المشكلة في السردية التي يقدمها الملك ليست أنها تمنحه دوراً مهماً — فذلك واقع تاريخي — بل أنها تميل إلى إعادة كتابة التاريخ بحيث يصبح مركز كل الأحداث. هنا تتحول الذاكرة الشخصية إلى أسطورة سياسية.
الانتقال الإسباني كان لحظة نادرة لأن الجميع قدّم تنازلات. لم يكن انتصار فرد، بل اتفاق مجتمع بأكمله على تجاوز الماضي. ربما لهذا السبب بقي نموذجاً يدرسه المؤرخون: لأنه دليل على أن التحولات الكبرى لا يصنعها شخص واحد، مهما كانت مكانته، بل توازن معقد بين الإرادة السياسية والقوى الاجتماعية والظروف التاريخية.
في النهاية، عبارة «غيّرت إسبانيا… رغم كل شيء» تبدو أقل وصفاً للتاريخ وأكثر محاولة للتمركز داخل صورته. والحقيقة أن إسبانيا تغيّرت لأن كثيرين، من مواقع مختلفة، قرروا أن الزمن الجديد يجب أن يبدأ.

 

كلمات دلالية

مذكرات خوان كارلوس
شارك المقال