سبع ساعات من الصمت: 23 فبراير تحت ظلّ الملك (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة الثامنة)

26/02/2026 - 17:15
سبع ساعات من الصمت: 23 فبراير تحت ظلّ الملك (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة الثامنة)

يتأرجح سرد خوان كارلوس الأوّل لمحاولة الانقلاب في 23 فبراير/شباط 1981، كما يرد في مذكّراته، بين نزعة بطولية شخصية وفراغات سردية يصعب تجاهلها. فعلى مدى عقود ترسّخت صورة الملك بوصفه منقذ الديمقراطية الإسبانية بفضل خطابه التلفزيوني فجر ذلك اليوم. غير أنّ عودته إلى الأحداث تفتح باب الشكوك والتناقضات، وتطرح أسئلة يعترف هو نفسه بأنه لا يملك لها جواباً حاسماً. وهكذا، بدل تثبيت الأسطورة، يكشف النص مناطق رمادية: صمت طويل، قرارات متأخرة، ومخاوف شخصية تدعو إلى قراءة أقل تمجيداً وأكثر تعقيداً.

يحتلّ 23 فبراير مكانة شبه تأسيسية في الذاكرة السياسية الإسبانية الحديثة. فمشاهد أنطونيو تيخيرو وهو يقتحم البرلمان مسلّحاً أصبحت جزءاً من المخيال الجماعي، كما ترسّخت صورة الملك بزيّه العسكري وهو يدعو القوات المسلحة إلى الالتزام بالدستور. ولوقت طويل اعتُبر ذلك الخطاب القصير اللحظة التي أوقفت الانقلاب. غير أن المذكرات تضيف عبارة لافتة: «لا تزال لديّ أسئلة وشكوك حول طريقة سير الأحداث والدور الذي أدّاه البعض». اعتراف يربك الرواية الرسمية؛ فإذا كان الملك نفسه يعترف بالالتباس، فإن صلابة السرد التاريخي تتصدّع.
أكثر المحطات إثارة للجدل هي الفاصل الزمني الذي يقارب سبع ساعات بين اقتحام البرلمان عند الساعة 18:23 وخطاب الملك في الساعة 1:15 بعد منتصف الليل. يؤكد خوان كارلوس أنه كان ينوي التوجّه إلى الشعب حوالي العاشرة والنصف مساءً، لكن الرسالة تأخرت، واصفاً تلك الساعات بأنها «غير مفهومة». وهي كلمة ثقيلة الدلالة: غير مفهومة بالنسبة للمواطن المنتظر موقفاً واضحاً، وربما غير مفهومة حتى للملك نفسه، وفق روايته. وفي كل الأحوال، ترك ذلك الصمت أثراً حاسماً لدى العسكريين المترددين الذين كانوا يترقبون إشارة واضحة من رأس الدولة.
خلال تلك الساعات، كانت إسبانيا معلّقة في حالة ترقّب مشحونة. داخل البرلمان لم يعرف النواب المحتجزون إن كانوا سيخرجون أحياءً، بينما كانت دبابات ميلانس دل بوش تجوب شوارع فالنسيا، وفي الثكنات ظلّ الضباط ينتظرون الأوامر. ويعترف الملك بأن نحو نصف القادة العسكريين الكبار كانوا متعاطفين مع التمرد، وإن ترددوا في حسم موقفهم. في هذا السياق، كان الصمت الرسمي قابلاً للتأويل كضوء أخضر ضمني، وهو ما يقرّ به لاحقاً حين يشير إلى أن تأخر تدخله قد فُهم بوصفه إشارة ملتبسة.
داخل قصر ثارثويلا، بعيداً عن صورة الحزم التي سيقدّمها الخطاب لاحقاً، كانت الأجواء متوترة. يروي الملك أن الملكة صوفيا اعتقدت عند الفجر أن الدبابات تتجه نحو القصر بعدما سمعت هدير المحركات. لم يكن المشهد مشهد قائد مطمئن يسيطر على الوضع، بل رجل يدرك هشاشته السياسية والأمنية. وقد أقرّ بأن الانقلابيين كانوا قادرين على عزل المقر الملكي أو قطع الاتصالات عنه. لذلك اكتسبت كل مكالمة هاتفية أهمية قصوى، إذ سعى إلى ضمان الولاء عبر اتصالات متواصلة مع القادة العسكريين، فيما ظلّ الصمت العلني قائماً.
التفسير الرسمي لهذا التأخير يستند إلى اعتبارات تقنية ولوجستية: محاصرة مقر التلفزيون الرسمي، وتأمين مسارات بديلة لفريق التصوير، واتخاذ إجراءات تضمن بث الرسالة. كل ذلك ممكن من الناحية العملية، لكن أثر الصمت السياسي كان ملموساً. فكل دقيقة إضافية زادت منسوب الغموض، وفسحت المجال للشائعات، وأبقت الانقلابيين على اعتقاد بأن النهاية لم تُحسم بعد. صحيح أن الخطاب كان حاسماً، لكنه جاء بعد ساعات طويلة من الفراغ في القيادة العلنية.
في مذكّراته، يبرر خوان كارلوس الانتظار بالخوف من أن يؤدي خطاب مبكر إلى رد فعل عسكري ضده أو ضد المؤسسة الملكية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل كان يدافع عن الديمقراطية أم عن العرش؟ في نظره، كان الأمران متداخلين، غير أن كلماته توحي بأن بقاء الملكية ظلّ هاجساً حاضراً. عبارته الموجّهة إلى ابنه فيليبي — «التاج معلّق في الهواء» — تختزل شعور مؤسسة ملكية تقف على حافة الهاوية.
عنصر آخر يعمّق الالتباس يتمثل في دور الجنرال ألفونسو أرمادا، أحد أقرب المقرّبين من الملك لسنوات طويلة. فقد كان مستشاراً وصاحب ثقة، لكنه ظهر خلال 23 فبراير كطرف أساسي في مشروع سياسي يسعى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تحت مظلة الانقلاب. أرمادا ألحّ في طلب لقاء الملك تلك الليلة، غير أن هذا الأخير يؤكد أنه تجنّب استقباله خوفاً من التورّط. ومع ذلك، فإن تورّط شخصية بهذه القرب يفتح شرخاً يصعب تفسيره.
وتبدو مرارة الملك واضحة وهو يروي ما اعتبره خيانة، إذ يعترف بأنه وثق بأرمادا لأكثر من عشرين عاماً دون أن يشك في نواياه. وهنا يطرح سؤال حتمي: كيف غابت عنه تحركات شخصية بهذه المكانة في لحظة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية؟ هذا المعطى يلقي بظلال من الشك على صورة الملك المسيطر تماماً على مجريات الأحداث.
في هذا الحلقة من السرد، يظهر 23 فبراير أقلّ كعمل بطولي محسوب بدقة، وأكثر كليلة من الارتباك والخوف والقرارات المؤجلة. فالخطاب التلفزيوني كان حاسماً، لكنه جاء بعد ساعات من التردد يعترف صاحبها نفسه بصعوبة تفسيرها. وهكذا تبدأ صورة «الملك المنقذ» في فقدان بعض بريقها: خلف الزي العسكري والنبرة الحازمة، كان هناك ملك يدرك أن مصيره السياسي معلّق بخيط رفيع.
أكثر من قصة انتصار أخلاقي فوري، يكشف هذا السرد عن بحثٍ متوتر عن مخرج ممكن في لحظة تشابكت فيها الديمقراطية والجيش والملكية. ومن قلب هذا الالتباس ينبثق سؤال مزعج: إذا كانت الديمقراطية هي الأولوية المطلقة فعلاً، فلماذا طال الصمت كل هذا الوقت؟

 

 

كلمات دلالية

مذكرات خوان كارلوس
شارك المقال