إذا كانت الحلقة الثامنة المتعلقة بموضوع ليلة 23 فبراير قد طُبعت بالصمت والارتباك، فإن هذه الحلقة تكشف الجانب الأكثر إزعاجاً في سرد خوان كارلوس الأول: خيانة أشخاص مقرّبين، والتوتر بين الديمقراطية والملكية، ثم البناء التدريجي لرواية رسمية قلّلت من أدوار فاعلين آخرين. فمذكّرات الملك الفخري، بدلاً من أن تغلق النقاش التاريخي، تعيد فتحه، إذ يظهر حتى صاحب الرواية نفسه محتفظاً بشكوك حول ما جرى.
تُعدّ قضية الجنرال ألفونسو أرمادا ربما الحلقة الأكثر دلالة. فقد كان لعقود من أقرب رجالات الملك وأكثرهم ثقة؛ لم يكن مجرد متعاون بل مستشاراً حميماً يكاد يكون فرداً من العائلة. غير أنّ ليلة الانقلاب ظهر كعنصر أساسي في مشروع سياسي هدفه احتواء الأزمة عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية يرأسها هو نفسه. ووفق رواية الملك، أصرّ أرمادا على التوجه إلى قصر ثارثويلا أثناء الأزمة، وهو ما فسره خوان كارلوس على أنه محاولة لتوريطه أمام الانقلابيين. فرفض استقباله، لكن أرمادا انتهى به الأمر داخل البرلمان مقدّماً خطته أمام تيخيرو.
القطيعة بين الرجلين كانت فورية. ففي اليوم التالي، وبعد استعادة النواب حريتهم، عانق أدولفو سواريث الملك مقتنعاً بأن أرمادا كان حاسماً في إنقاذ الأرواح. فجاء رد الملك حاداً: «أرمادا خائن». عبارة تختصر البعد العاطفي للأزمة؛ فالأمر لم يتعلق بضابط متآمر فحسب، بل بشخص منحه الملك ثقته لأكثر من عشرين عاماً. وتطرح هذه الخيانة أسئلة لا مفر منها: كيف لم يلحظ مؤشرات مبكرة؟ وإلى أي حد كان على علم بالمناورات السياسية التي كانت تُحاك؟

المذكّرات لا تقدّم أجوبة قاطعة. فالملك يؤكد أنه لم يكن على دراية باتصالات أرمادا السياسية، بما في ذلك لقاؤه بالقيادي الاشتراكي إنريكي موخيكا قبل أسابيع من الانقلاب. غير أنّ غموض هذه الحلقة يغذّي الشكوك. فإذا كان أقرب المقرّبين من الملك يتفاوض على مخرج سياسي خارج الشرعية، يصعب تصوّر أن الدائرة المحيطة بالقصر لم تلاحظ أي مؤشرات. وهنا تكمن إحدى أعمق ثغرات السرد الذاتي.
ومع تقدم الرواية تبرز مسألة مركزية: العلاقة بين الديمقراطية والملكية. إذ يتحدث خوان كارلوس الأول مراراً عن الديمقراطية بوصفها «عملي». تعبير يكشف إحساساً بملكية المسار الانتقالي السياسي. من هذا المنظور، لم يكن 23 فبراير مجرد اعتداء على الدستور، بل أيضاً تهديداً لإرثه الشخصي. وتؤكد عبارته الموجهة إلى ابنه فيليبي أثناء الأزمة — «التاج في الهواء» — هذا التصور، حيث بدا الخطر موجهاً قبل كل شيء إلى المؤسسة الملكية.
لا يقلّل هذا من حقيقة أن الخطاب التلفزيوني ساهم بشكل حاسم في وقف الانقلاب. لكنه يطرح تساؤلات حول الصورة المبسطة للملك كبطل متجرد من المصالح. فقد كانت وضعية الملك معقّدة: دعم الانقلابيين كان سيقوض شرعية النظام الديمقراطي، في حين أن معارضتهم المبكرة كانت قد تعرّضه للإطاحة من قبل قطاعات عسكرية. وبين هذين الخيارين أصبحت استمرارية العرش عاملاً حاسماً. فالقرار النهائي، وإن كان دستورياً، اتُّخذ في سياق كان مصيره الشخصي فيه على المحك أيضاً.
السرد الملكي يميل كذلك إلى تقليص دور شخصيات أخرى تحمّلت مخاطر مباشرة تلك الليلة. فالجنرال غييرمو كوينتانا لاكاسي أوقف تقدّم الفرقة المدرّعة «برونيتي» نحو مدريد، في خطوة يُرجّح أنها جنّبت البلاد سيناريو أكثر عنفاً. والعقيد إدواردو غونثالث-غايارثا أغلق القاعدة الجوية في فالنسيا لمنع دعم جوي للمتمردين. أما الجنرال غوتييريث ميّادو فواجه الحرس المدني المسلّح داخل البرلمان دون حماية سوى سلطته الأخلاقية. كما نجحت النائبة الاشتراكية آنا باليتبو في التواصل مع قصر ثارثويلا من داخل القاعة المحتجزة، ناقلة معلومات حاسمة عما يجري.
جميع هؤلاء خاطروا بحياتهم بصورة مباشرة، غير أن الرواية الرسمية رسّخت فكرة أن 23 فبراير كان، قبل كل شيء، «ليلة الملك». والمذكّرات نفسها تحافظ إلى حد كبير على هذا المنظور، إذ تذكر هؤلاء الفاعلين بصورة ثانوية. هذا الاختلال يساهم في بناء سردية بطولية تتركز في شخصية واحدة، متجاهلة البعد الجماعي للمقاومة المؤسساتية.
لحظة كاشفة أخرى جاءت بعد أيام قليلة من الانقلاب. ففي مراسم عسكرية في سرقسطة، يعترف خوان كارلوس بأنه شعر بالخوف وهو يواجه مئات العسكريين الذين لم يكن متأكداً من درجة ولائهم. «كانت ساقاي ترتجفان»، يقول. اعتراف يهدم صورة القائد الهادئ الذي لا يتزعزع، ويظهر إنساناً مدركاً لهشاشة موقعه. فالجيش لم يكن موحداً بالكامل، والخطر لم يكن قد زال نهائياً.
بعد أربعة عقود، تترك المذكرات أسئلة أكثر مما تقدّم من أجوبة. فالملك يعترف بأن روايته محدودة بذاكرته، وبوجود محادثات وقرارات لم يكن على علم بها. غير أن هذا الاعتراف نفسه يعمّق النقاش التاريخي. فـ23 فبراير لم يكن فعلاً مرتجلاً لرجل واحد، بل شبكة معقدة من المبادرات المتزامنة: اقتحام تيخيرو، تحرك ميلانس دل بوش، والمشروع السياسي لأرمادا. وفي هذا المشهد، كان دور الملك حاسماً، لكنه كان أيضاً مشروطاً بظروف لم تكن كلها تحت سيطرته.
والخلاصة التي تفرض نفسها أن 23 فبراير لا يمكن اختزاله في قصة إنقاذ بطولية بسيطة. فقد تحرك خوان كارلوس في نهاية المطاف دفاعاً عن الإطار الدستوري، وساهم تدخله في وقف الانقلاب. غير أنّ ساعات الصمت، وغموض محيطه، ومركزية العرش في روايته الذاتية، تدعو إلى قراءة أكثر نقدية. فبين صورة البطل المطلق وصورة المتآمر مساحة وسطى: مساحة ملك اختار الخيار الذي يضمن استمرارية المؤسسات، وفي الوقت ذاته بقاءه السياسي.
عندما قال لابنه تلك الليلة إن «التاج في الهواء»، كان يختصر جوهر المعضلة. فقد نجت الديمقراطية، لكن الملكية نجت أيضاً. وربما يفسر هذا التلاقي سبب تحوّل الحدث إلى أسطورة تأسيسية في الرواية الرسمية. غير أن الذاكرة التاريخية تتطلب النظر إلى ما وراء الأسطورة، والاعتراف بتعقيد ليلة لم تكن فيها أي يقينيات مطلقة، واتُّخذت فيها القرارات تحت ضغط استثنائي.
لم يكن 23 فبراير مجرد يوم ألقى فيه ملك خطاباً عبر التلفزيون، بل اختباراً قاسياً لصمود نظام سياسي كامل، قام على قرارات فردية، ومخاوف مشتركة، وفاعلين لم تمنحهم الذاكرة الرسمية الاعتراف الذي حظيت به المؤسسة الملكية.