صوفيا اليونانية: الملكة غير المرئية التي صبرت طويلاً (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة العاشرة)

28/02/2026 - 17:35
صوفيا اليونانية: الملكة غير المرئية التي صبرت طويلاً (مذكرات خوان كارلوس- الحلقة العاشرة)

يخصّص خوان كارلوس الأوّل صفحات مطوّلة في مذكّراته للإشادة بزوجته الملكة صوفيا، واصفاً إياها بأنها «استثنائية» و«متفانية» و«لا مثيل لها في حياته». غير أنّ هذه اللغة الاحتفائية تصطدم سريعاً باعترافات صريحة: طريقاهما افترقا منذ سنوات، وهي ترفض زيارته في أبوظبي، والزواج الذي يقدّمه بوصفه مثالياً عرف مراحل طويلة من التباعد. بين المديح المفرط والاعترافات المتناثرة تتشكّل صورة مختلفة تماماً، صورة امرأة وجدت نفسها طوال عقود في موقع الصامتة التي تتحمّل كل شيء.
يكتب الملك الفخري: «صوفي امرأة استثنائية، مستقيمة، كريمة ومخلصة… إنها تجسيد للنبل». عبارات تبدو أقرب إلى خطاب تكريمي منها إلى شهادة شخصية بعد ستين عاماً من الحياة المشتركة. بل إنّه يضيف: «لا مثيل لها في حياتي، وسيبقى الأمر كذلك». لكن سرعان ما تظهر المفارقة حين يعترف بأنهما لم يعودا يعيشان تحت سقف واحد، وبأنها لم تسافر قط لزيارته منذ مغادرته إسبانيا. كيف يمكن التوفيق بين هذا الإطراء المطلق وبين واقع انفصال فعلي لا يجرؤ أيّ منهما على تسميته؟
الصورة التي يرسمها لزوجته تتأرجح بين التقديس والإقرار الضمني بالتخلي عنها. يصفها بأنها «ملكة متفانية ولا تشوبها شائبة»، وهي كلمات تحمل دلالة واضحة: صوفيا لم تُقدَّم كرفيقة حياة بقدر ما قُدِّمت كشخص يضحّي ويصبر. كلمة «متفانية» هنا تختصر الدور الذي أُسند إليها طيلة العقود الماضية: ليس شراكةً متوازنة، بل قدرة على التحمل والصمت.
من أبوظبي، يعبّر خوان كارلوس عن أسفه لأن زوجته لم تزره، لكنه يختار لغة تكشف أكثر مما تقصد. يقول: «أظن أنها لا تريد إغضاب ابنها، الذي تربطها به علاقة وثيقة». هو لا يعرف السبب الحقيقي، أو يتظاهر بذلك. بعد ستين عاماً من الزواج، لا يجد تفسيراً واضحاً لابتعادها. لكن الواقع يبدو أكثر بساطة: صوفيا اختارت البقاء في إسبانيا، قريبة من ابنها الملك فيليبي السادس، وبعيدة عن زوجها.
«نحن على تواصل عبر الهاتف، لكنه ليس الأمر نفسه»، يضيف في اعتراف يبدو حزيناً رغم بساطته. جملة قصيرة تختصر نهاية طويلة لعلاقة اهتزت عبر سنوات من الفضائح والحديث العلني عن علاقات خارج الزواج. لا طلاق رسمياً، لأن المؤسسة الملكية لا تسمح بذلك، لكن لا حياة مشتركة أيضاً. إنها قطيعة هادئة، صامتة، لكنها حاسمة.
يحاول الملك الفخري تقديم هذا الوضع باعتباره نتيجة ظرفية لمنفاه، قائلاً إن طرقهما افترقت منذ مغادرته البلاد سنة 2020. وكأنّ كل ما سبق كان مثالياً. غير أنّ الذاكرة العامة تشير إلى أن التباعد بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، وأن المنفى لم يصنع القطيعة بل جعلها مرئية فقط.
في الصفحات التي يستعيد فيها بداية العلاقة، يظهر صوت مختلف قليلاً. يروي لحظة الخطوبة في لوزان حين ألقى إليها علبة خاتم مرصّع بالياقوت قائلاً: «أمسكيها!». يستعيد أيام الزواج في أثينا عام 1962، وأجواء الاحتفال، وشعورهما بالسعادة وهما أميران شابان بلا عرش. تلك الصفحات القليلة تبدو صادقة، كأنها تنتمي إلى قصة أخرى أكثر بساطة وأقل ثقلاً.
تخلّت صوفيا عن حقوقها في العرش اليوناني، واعتنقت الكاثوليكية، وتعلّمت الإسبانية، وتأقلمت مع حياة جديدة بالكامل. أدّت كل ما طُلب منها وأكثر. لكن بعد هذه البداية تختفي تدريجياً من السرد. تصبح حضوراً باهتاً، يُذكر عرضاً، دائماً في الخلفية. يصفها خوان كارلوس بأنها «متفهّمة ومتضامنة»، وهي كلمات تصف شخصاً يتحمّل لا شخصاً يشارك.
يعترف بأن زواجاً يمتد ستين عاماً لا بد أن يعرف «صعوداً وهبوطاً» و«فترات تقارب وتباعد». غير أنّ هذا الوصف يبدو ملطفاً إلى حدّ كبير إذا ما قورن بما كان يُتداول علناً عن حياته الخاصة. كلمات ناعمة تخفف من ثقل واقع عرفته الصحافة والرأي العام طويلاً.
الدور الذي يمنحه لصوفيا في مذكّراته هو دور الزوجة المثالية التي تبقى في البيت وتربّي الأبناء بينما ينشغل هو بـ«خدمة إسبانيا». يكتب: «لقد حاولنا أن نوفر لأطفالنا حياة مستقرة»، مستخدماً ضمير الجمع، بينما الواقع يشير إلى أنها كانت غالباً من يتحمّل المسؤولية اليومية وحدها. ويبرّر غيابه بالواجبات الرسمية، ثم يضيف مقارنة لافتة حين يشبّه وضعه بأي شخص لديه عمل شاق، متجاهلاً أن غيابه لم يكن دائماً بسبب العمل الرسمي.
فقد ارتبطت فترات طويلة من غيابه برحلات صيد وسفر ونزهات بحرية، كثير منها جرى بعيداً عنها. وأصبح الصمت الملكي جزءاً من المشهد. الملكة التي كان يفترض أن تكون شريكته تحولت إلى رمز للاستقرار فقط، مطالبة بابتسامة دائمة مهما كانت الظروف.
هكذا تظهر صوفيا في هذا الجزء من المذكرات: شخصية تحضر عبر المديح، لكنها تظلّ غائبة فعلياً عن السرد الإنساني. امرأة تحملت سنوات طويلة بصمت، بينما يواصل الراوي التركيز على ذاته.

 

كلمات دلالية

مذكرات خوان كارلوس
شارك المقال