علاقات... شائعات وقضية كورينا: الحياة الخاصة التي أطاحت بالعرش (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 14)

04/03/2026 - 17:00
علاقات... شائعات وقضية كورينا: الحياة الخاصة التي أطاحت بالعرش (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 14)

يخصّص خوان كارلوس الأول فصلاً كاملاً من مذكّراته لنفي ما كان، لعقود، حديث المجالس المغلقة في مدريد: علاقاته المتعددة خارج إطار الزواج. يعترف بعلاقة واحدة فقط، مع “الزوجة السابقة لأحد أصدقائه” التي رافقته إلى بوتسوانا عام 2012، وينكر ما عدا ذلك، مقدّماً نفسه ضحية “روايات تشهيرية” صادرة عن “علاقة سابقة” لا يذكر اسمها، في إشارة واضحة إلى كورينا لارسن. سردية دفاعية تتجاهل الأذى الذي لحق بأسرته وبالمؤسسة الملكية نفسها.

على مدى سنوات طويلة، التزمت الصحافة الإسبانية بما يشبه “ميثاق الصمت” حول الحياة الخاصة للملك. ويعترف خوان كارلوس بذلك صراحة: “التقطوا لي صورة عارياً على متن يختي، وبيعت للصحافة الإيطالية. لم تنشرها أي صحيفة إسبانية. آنذاك كان لا يزال هناك احترام للمؤسسة الملكية”. احترامٌ يقوم على الإخفاء، وكأن كرامة التاج مشروطة بتواطؤ الصمت.
استمر هذا الصمت خلال حقبة فرانكو وجزء كبير من مرحلة الانتقال الديمقراطي. كانت الأوساط الأرستقراطية والاقتصادية على دراية بعلاقات الملك، لكن الإعلام المحلي مارس رقابة ذاتية حمت صورته. امتياز نادر: أن يعيش رأس الدولة حياة مزدوجة، مطمئناً إلى أن نصفها سيبقى خارج التوثيق العلني.
غير أن هذا الجدار بدأ يتصدّع في تسعينيات القرن الماضي. يكتب خوان كارلوس: “مع ظهور صحافة المشاهير واستقرار بلادنا كقوة أوربية، بدأت الشائعات حول حياتي الخاصة”. ويضيف: “لم أولِ الأمر أهمية، لأنه لم يؤثر بأي شكل في مهامي الرسمية”. عبارة كاشفة: بالنسبة إليه، لم يكن وجود علاقات خارج الزواج مسألة تمس موقعه، طالما لم تعطل أداءه البروتوكولي. أما أثر ذلك على زوجته وأبنائه وصورة الملكية، فظل خارج الحساب.
استراتيجية الإنكار الانتقائي
الفصل المخصّص لحياته الخاصة يقوم على الاعتراف بالحد الأدنى وإنكار الباقي. يقول إن وسائل الإعلام نسبت إليه “عشرات المغامرات” أغلبها “خيالي”. ويتساءل: “هل كل صداقة مع امرأة يجب أن تُفهم كعلاقة عاطفية؟”. حجة تبدو دفاعية أكثر منها إقناعية، في ظل ما كان معروفاً داخل دوائر ضيقة طوال أربعة عقود.
ينفي بشكل خاص روايات لم تثبت قط، منها شائعة علاقة مع الأميرة ديانا في بالما، ويؤكد أنه بالكاد التقى بسارا مونتييل. ويعترف بعلاقة شبابية مع ماريا غابرييلا دي سافويا قبل زواجه من صوفيا، اعتراف آمن لا يهدد سردية الاستقرار الزوجي. لكن جوهر الجدل يتجاوز قصص الشباب إلى سنوات الحكم نفسها.
بوتسوانا… لحظة الانكشاف
المنعطف الحقيقي جاء في أبريل 2012، حين سافر الملك إلى بوتسوانا لصيد الأفيال، في وقت كانت إسبانيا تغرق في أزمة اقتصادية خانقة. يصف الرحلة بأنها “استراحة هادئة” مع صديق يحب إفريقيا مثله. غير أن سطوراً لاحقة تكشف أكثر مما تقصد: “وصلت مع الضيوف الذين اخترتهم: صديق، وزوجته السابقة – التي كانت تربطني بها علاقة – وابنها الصغير”.
المرأة المقصودة هي كورينا تسو زاين-فيتغنشتاين، المعروفة باسم كورينا لارسن، شريكة لسنوات في حياة الملك، وإن لم يذكر اسمها صراحة. أثناء تعافي الملكة صوفيا في مدريد من عملية جراحية، كان الملك في رحلة صيد مثيرة للجدل بصحبة عشيقته. إصابته بكسر في الورك بعد سقوط ليلي اضطرته للعودة على وجه السرعة، وانفجر الجدل داخلياً ودولياً.
لم يكن الأمر مجرد رحلة صيد، بل صورة مكثفة لتناقضات المرحلة: ملك في الرابعة والسبعين، في بلد يعاني البطالة والتقشف، يمارس هواية مكلفة ومثيرة أخلاقياً. تلك اللحظة كسرت نهائياً ميثاق الصمت القديم، وكشفت ما كان يُتداول همساً.
كورينا… “علاقة سابقة”
يتحدث عنها في الكتاب بوصفها “علاقة قديمة” نشرت “روايات تشهيرية” عبر مقابلات وبودكاست ومسلسل تلفزيوني وإجراءات قضائية. يصف الدعوى في لندن بأنها “بلا جدوى”، متجاهلاً أن القضاء البريطاني رفض حصانته في تلك القضية. يقول إنه يكتب “بإخلاص وحياء”، وأن وراء “درع الملك رجل مجروح”. لكنه لا يتوقف عند جراح الآخرين: لا صوفيا، ولا بناته، ولا صورة المؤسسة.
الفصل يكشف تناقضاً أخلاقياً واضحاً. فهو يفيض بعبارات المودة تجاه الملكة: “لن يمحو شيء مشاعري العميقة نحو زوجتي”. غير أن هذه العبارات تأتي في السياق ذاته الذي يعترف فيه بعلاقة خارج الزواج. ازدواجية لا يراها مشكلة، بل تفصيلاً عاطفياً قابلاً للتعايش مع الواجب الرسمي.
حين يقوّض الخاص العام
يحاول خوان كارلوس الفصل بين حياته الخاصة ودوره العام، مؤكداً أن علاقاته لم تمس قدرته على أداء مهامه. غير أن الملكية الدستورية في ديمقراطية حديثة تقوم على الثقة العامة، لا على الحق الإلهي. صورة الملك ليست مسألة شخصية، بل ركيزة رمزية للمؤسسة.
كل علاقة سرية، كل رحلة مثيرة للجدل، كل تسريب، تراكم ببطء حتى تحوّل إلى أزمة شرعية. لم تكن قضية كورينا وحدها سبب تنازله عن العرش عام 2014، لكنها شكلت عاملاً مسرّعاً، إلى جانب فضيحة “نوس” التي أدين فيها صهره إينياغو أوردانغارين، وقضية الحسابات في سويسرا، والتحويل المالي المثير للجدل من السعودية.
في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في وجود علاقات شخصية بحد ذاتها، بل في الاعتقاد بإمكانية الإفلات من تبعاتها إلى الأبد. الملك الذي يطالب باحترام المؤسسة مطالب أولاً بأن يجسّد قيمها. وعندما تآكلت هذه الصورة، لم يعد العرش محصناً بالصمت.
من أبوظبي، يقدّم خوان كارلوس نفسه رجلاً يسعى إلى استعادة روايته. غير أن ما كشفته السنوات الأخيرة يتجاوز سرديته. فحين انكسر الصمت الإعلامي، لم تكن القصة مجرد حياة خاصة خرجت إلى العلن، بل مساراً طويلاً من الامتياز غير الخاضع للمساءلة. تلك هي الحكاية التي قرأها الإسبان بين السطور، بعيداً عن لغة التبرير والمرارة.

 

كلمات دلالية

مذكرات خوان كارلوس
شارك المقال