إخوة الصحراء: بدايات العلاقة الخاصة مع الملكيات العربية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 17)

07/03/2026 - 17:00
إخوة الصحراء: بدايات العلاقة الخاصة مع الملكيات العربية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 17)

“في الثقافة العربية يُستخدم لفظ ‘أخي’ بكثرة، لكنّه في فمي كان يعكس حقيقة”. بهذه العبارة يختصر خوان كارلوس الأول طبيعة علاقته بملوك وأمراء العالم العربي. لم تكن، في نظره، علاقات بروتوكولية عابرة، بل “أخوّة” امتدت أربعة عقود، من الرباط إلى عمّان، ومن الرياض إلى أبوظبي. غير أن قراءة متأنية لتلك الصفحات تكشف تداخلاً معقّداً بين الصداقة الشخصية والمصالح الاقتصادية، بين الدبلوماسية الرسمية والمكاسب غير المعلنة.

حين غادر إسبانيا صيف 2020 تحت ضغط فضائح مالية، لم يتجه إلى عاصمة أوربية، بل إلى أبوظبي. هناك وجد ملاذاً آمناً لدى من يصفهم بـ“إخوته”. كان ذلك تتويجاً لمسار طويل بدأ في سبعينيات القرن الماضي، حين اكتشف أن الشرق الأوسط ليس فقط فضاءً جيوسياسياً حيوياً لإسبانيا، بل أيضاً ساحة لعلاقات ملكية مباشرة تتجاوز الحكومات.
المسيرة الخضراء: لحظة التأسيس

يروي خوان كارلوس أن أول اختبار حقيقي لعلاقته بالعالم العربي جاء عام 1975، خلال أزمة الصحراء. أطلق الملك الراحل الحسن الثاني “المسيرة الخضراء”، وحشد آلاف المدنيين باتجاه الإقليم الذي كانت إسبانيا تديره. كان فرانكو يحتضر، والملك الشاب يتحرك في مساحة انتقالية حساسة.
قرر السفر إلى العيون، رغم اعتراض وزرائه. “القائد يجب أن يكون إلى جانب جنوده”، يكتب. وهناك أعلن انسحاباً “منظماً وبكرامة”، مؤكداً أن الجيش الإسباني لن يطلق النار على “حشد من النساء غير المسلحات”. بعد عودته، أخبر مجلس الوزراء بأن الحسن الثاني سيتصل به لوقف المسيرة. “تعلمت خلال زياراتي للعالم العربي أنهم يحبون الإيماءات”، يقول.
العبارة مفتاحية. “الإيماءة” هنا ليست مجرد حركة رمزية، بل أداة تفاوض. بعدها بنصف ساعة، تلقى الاتصال بالفعل. هكذا يقدّم اللحظة: قراءة دقيقة لـ“العقلية العربية”، ونجاح في تحويل المواجهة إلى صداقة. لكن خلف السرد العاطفي، كانت هناك معادلة سياسية واضحة: المغرب أراد تثبيت سيادته، وإسبانيا أرادت خروجاً بلا هزيمة عسكرية. العلاقة الشخصية بين الملكين سهّلت ما عجزت عنه القنوات الرسمية.
حسين الأردن: صداقة وسياسة
من بين القادة العرب، يبرز الملك حسين بن طلال بوصفه “الأخ الذي رحل”. يصف جنازته عام 1999 بحزن صادق، ويتحدث عن علاقات عائلية متشابكة. غير أن تلك الصداقة كان لها بُعد سياسي مباشر.
عام 1985، حين قررت إسبانيا الاعتراف بإسرائيل في إطار مساعيها للاندماج الأوربي، احتاجت إلى تطمين حلفائها العرب. اتصل خوان كارلوس بحسين أولاً. أبدى الأخير تفهماً، ولم يُصعّد دبلوماسياً. هنا يظهر الملك الإسباني وسيطاً شخصياً بين قرار سيادي ومحيط إقليمي حساس.
غير أن السؤال الذي يظل معلقاً: عندما يستخدم الملك شبكة علاقاته الخاصة لتحقيق أهداف سياسية وطنية، هل يبقى الخط الفاصل واضحاً بين دوره المؤسسي وعلاقاته الشخصية؟ المشكلة لا تكمن في الوساطة بحد ذاتها، بل في تراكم الامتيازات المتبادلة التي قد تنتج عنها.
الشيخ زايد: حكمة الصحراء
يستحضر خوان كارلوس لقاءه الأول بمؤسس دولة الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في أواخر الستينيات. يصفه بنبرة شبه صوفية: “نظرة نافذة كعين صقر”. يتحدث عن نصائح في الحذر والإصغاء وعدم إهانة الآخرين. يقدم الشيخ كحكيم صحراء أثّر في تكوينه السياسي.
بعد نصف قرن، عندما اشتدت العاصفة حوله، كان ابنه الشيخ محمد بن زايد هو من قال له: “هذه دارك، لك حمايتي”. لم يكن اللجوء إلى أبوظبي حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التقارب. الإمارات لا تربطها بإسبانيا اتفاقية تسليم، ونظامها المالي يوفر قدراً عالياً من الخصوصية. الملاذ لم يكن عاطفياً فقط، بل عملياً أيضاً.


النفط والبنية التحتية: البوابة السعودية
العلاقة مع السعودية كانت الأكثر تعقيداً. في سبعينيات القرن الماضي، خلال أزمة النفط، أُرسل لطلب إمدادات عاجلة. يفاخر بأن إسبانيا لم تعانِ نقصاً كما عانت دول أوربية أخرى. لاحقاً، لعب دوراً محورياً في الترويج لعقد القطار السريع بين مكة والمدينة، الذي فازت به شركات إسبانية بقيمة مليارات اليوروهات.
يروي القصة بوصفها “صدفة”: رأى عرضاً لشركة أوربية، ففكر في “وضع إسبانيا في السباق”، واتصل بشركات، وأرسل رسائل شخصية، وتحدث إلى الملك عبد الله. النتيجة كانت فوزاً استراتيجياً للشركات الإسبانية في ذروة أزمة اقتصادية.
لكن ما لا يذكره في هذا السياق هو أن بعد سنوات قليلة، ظهرت معلومات عن تحويل 100 مليون دولار إلى حسابه في سويسرا، قيل إنها “هدية” من الملك السعودي. هنا يتداخل النجاح الدبلوماسي مع الشبهة المالية، وتختلط الصداقة بالمصلحة.
من الدبلوماسية إلى الالتباس
يحاول خوان كارلوس أن يقدّم علاقاته العربية بوصفها نموذجاً لنجاح السياسة الشخصية. “كنت أتعامل معهم بندية”، يكتب، في إشارة إلى شعوره بالراحة في محيط ملكيات مطلقة. وربما فعلاً وجد في تلك العواصم لغة أقرب إلى ثقافته الأرستقراطية من برلمانات أوربا الصارمة.
غير أن الإشكال يكمن في غياب الحدود الواضحة. عندما يُسهّل الملك صفقات تجارية لبلاده، يكون ذلك في صميم الدبلوماسية الاقتصادية. لكن عندما تترافق تلك الصفقات مع تحويلات مالية شخصية سرية، يصبح من الصعب الدفاع عن الفصل بين العام والخاص.
هذه الحلقة ترسم لوحة علاقات شخصية عميقة، تمتد من المسيرة الخضراء إلى قطارات الحرمين. غير أن ما سيظهر في الحلقة الغد هو الجانب الأكثر إشكالية: كيف تحوّلت “ثقافة الإهداء” إلى ذريعة، وكيف انقلبت شبكة الأخوّة إلى ملاذ سياسي ومالي.

 

شارك المقال