في أمسية رمضانية احتضنتها رحاب مقر جمعية بسمة للتنمية الاجتماعية، مساء أمس، قال العلامة أحمد الريسوني إن «دور الوقف أكبر من دور الزكاة»، فالأول إحسان غير إلزامي، والثاني إحسان إلزامي.
وأوضح الريسوني في مداخلة حول موضوع «المغاربة والعمل الخيري» أن «الأعمال التطوعية التي قام بها المغاربة عبر العصور، قامت بأدوار عظيمة، خاصة الوقف، الذي له دور كبير لكنه تطوعي، بينما الزكاة لها دور كبير لكنها فريضة من الله تعالى».
واستعرض الريسوني في مداخلته بعض النماذج من الإحسان المغربي، ومن ذلك ما قامت به فاطمة الفهرية، التي بنت جامع القرويين، وأصبح أغنى مؤسسة في المغرب، وكان فائض أوقافه يُرسل لدعم مساجد أخرى، منها المسجد الأقصى والحرمين الشريفين.
وتوقف الريسوني عند نموذج آخر، وهو للعالم الصوفي أبو محمد صالح، الذي واجه فتوى بعض فقهاء المغرب بأن الحج مرفوع عن المغاربة مؤقتًا بعمل إحساني تمثل في شبكة من الزوايا تمتد من آسفي إلى المدينة المنورة، يستريح فيها الحجاج، ويتلقون الإرشاد والمرافقة، فحُلّت مشكلة الحج.
الإحسان الإلزامي والطوعي
اعتبر الريسوني أن «الشريعة الإسلامية جاءت بعدد من الفرائض، وعدد من الواجبات، وعدد من الأعمال الإلزامية، بما فيها الإحسان»، مشيرًا إلى أن «الفقهاء يقسمون الإحسان إلى إحسان إلزامي وإحسان غير إلزامي».
فالإحسان الإلزامي مثل الزكاة ومثل النفقات المحددة والواجبة، يضيف المتحدث، «وهناك عدد من الحالات يكون فيها الإحسان إلزاميًا، إما بالنصوص الشرعية أو بقرار ولاة الأمور في حالات الكوارث مثلًا، فذلك إحسان إلزامي».
وقال الريسوني إنه سيتحدث عن الإحسان غير الإلزامي، أي العمل التطوعي التلقائي الإرادي الاختياري، مضيفًا: «هنا أتذكر دائمًا وأفكر في حديث تعرفونه جميعًا، وهو حديث قدسي، يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى، أنه قال ضمن الحديث، وهو حديث طويل وعظيم: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه»، فأحبّ شيء عند الله، وأحبّ شيء يُقدَّم إلى الله، وبين يدي الله ولوجه الله، هو الفرائض».
فهذه الأعمال غير الإلزامية يفعلها الإنسان من تلقاء نفسه، يؤكد الريسوني: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه»، لأن الفرائض «أبرأت ذمتك، ورفعت عنك الإثم، ورفعت عنك الوزر، لكن النوافل تدخلك في مقام جديد، عظيم عظيم عظيم، بلا نهاية».
وتوقف الريسوني عند قوله صلى الله عليه وسلم: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه»، ليتساءل: «هل هناك شيء أعظم من هذا؟».
كما توقف عند قوله عليه الصلاة والسلام: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن استعاذني لأعيذنّه، ولئن سألني لأعطينّه»، مشيرًا إلى أن «هذا مقام يجب أن نتأمله ونفكر فيه؛ لأنني أظن أنه كلما فكرنا فيه ازدادت الجاذبية إليه، وازداد الشوق إليه. هذا مقام ليست فيه نجاحات دنيوية فقط، ولا شهادات ولا أموال ولا تعويضات ولا صفقات؛ بل كل شيء يصبح لا شيء أمامه».
«وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه»، يضيف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقًا: «لماذا؟ لأن النوافل نفعلها محبة، والنوافل، والإحسان غير الإلزامي، والتطوعات، سواء كانت في العبادات أو في الأموال أو في المساعدات أو في الإرشادات أو في جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان، ليست فرضًا عينيًا عليه، بل يفعلها محبة. لأن الفرائض نفعلها أحببنا أم كرهنا، ونجتنب المحرمات أحببنا أم كرهنا، وحتى كما يقول الناس: إن لم تصلِّ هنا، فستصلي هناك! والصلاة هناك معروفة وموصوفة… على صفائح من نار».
وخلص الريسوني إلى أننا «نفعل الفرائض خوفًا أو طمعًا أو غير ذلك، كلٌّ بحسب درجته، لكن النوافل نفعلها حبًّا في الخير، وحبًّا في الإحسان، وحبًّا في طاعة الله تعالى، وحبًّا فيما عند الله تعالى؛ إذن هي التي تجذب المحبة. نبذل المحبة للعباد، وللخير، ولله تعالى، فتأتينا محبة الله».
وأشار الريسوني إلى أن «النوافل تُفعل محبة، فتجلب لنا محبة الله… وإذا أحبك الله صار كل فضل وكل مقام وكل ما لا نتصوره قريبًا منك».
الوقف والزكاة
واعتبر الريسوني أن «الإحسان في المغرب وفي العالم الإسلامي كله قام بأدوار كبيرة جدًا، حتى إنني أقول: عندنا الإحسان الإلزامي، وهو الزكاة، وعندنا الإحسان غير الإلزامي، مثل الوقف، ودور الوقف أكبر من دور الزكاة، وهذا يفكر فيه الاقتصاديون والاجتماعيون وغيرهم».
وقال أيضًا: «الوقف اختيار، وهو إحسان غير إلزامي، إحسان تطوعي، وقد استعمل المغاربة قديمًا لفظ الحبوس والتحبيس، وهو اللفظ الوارد في الحديث… فإذن هذه الأعمال التطوعية التي قام بها المغاربة عبر العصور، وقام بها المسلمون جميعًا، قامت بأدوار عظيمة، خاصة الوقف، الذي له دور كبير لكنه تطوعي، بينما الزكاة لها دور كبير لكنها فريضة من الله تعالى».
ووفق المتحدث، فباب العمل التطوعي الذي فتحه الإسلام وتركه ووسّعه ودعا إليه، ترك فيه للناس أن يعمل كل واحد بحسب همته وطموحه، والعمل الخيري دائمًا قام بعمل جليل جدًا، ولكنه يكون أكثر فعالية إذا نشرنا الوعي بهذا العمل، والوعي بأهميته، والوعي بفضله، والوعي بالمقامات التي يجلبها».
وتوقف عند قوله صلى الله عليه وسلم: «ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه»، مضيفًا: «تعمل الخير، تعمل الخير، حتى تتحقق لك محبة الله».
نبوغ فاطمة الفهرية
وحرص الريسوني على الحديث عن بعض النماذج من الإحسان المغربي، الذي يدخل فيما سماه العلامة عبد الله كنون رحمه الله «النبوغ المغربي»، مضيفًا: «الإحسان موجود في كل مكان، حتى عند غير المسلمين، لكن المغاربة عندهم إبداعات ونبوغ، ومن هذا النبوغ المغربي الذي لا أجد له مثيلًا: الإحسان الذي قامت به فاطمة بنت محمد بن عبد الله القيرواني، الملقبة بأم البنين، فاطمة القيروانية».
وتابع الدكتور الريسوني: «فاطمة الفهرية اشترت أرضًا كبيرة في فاس، وكانت فاس آنذاك في بدايات نشأتها، وأسست جامع القرويين، الذي أصبح بعد ذلك جامعة القرويين. هذه امرأة قامت بعمل لا تقوم به عادة إلا الدول، فهي لم تكن صاحبة منصب ولا سلطة، لكنها حبست أموالها التي ورثتها عن أبيها وعن بعض أقاربها، وأسست هذا العمل العظيم».
بدء بناء القرويين، يضيف الريسوني، كان في شهر رمضان من سنة 245 للهجرة، بتمويل كامل من فاطمة الفهرية أم البنين: أرضًا وبناءً، ونذرت لله تعالى أن تصوم منذ بداية البناء حتى يكتمل بناء المسجد.
وزاد قائلًا: «هذا المسجد – جامع القرويين – أصبح بعد ذلك جامعة عظيمة يفد إليها الطلبة من أنحاء المغرب ومن خارجه، وأصبحت لها فروع، وصارت منارة علمية كبيرة، حتى إن الأحباس التي حبسها الناس عليها جعلتها في بعض الفترات أغنى مؤسسة في المغرب، وميزانيتها كانت أحيانًا أكبر من ميزانية الدولة، وكانت الدولة تقترض منها أحيانًا».
وذكر الريسوني أيضًا أن «أوقاف القرويين كانت تُرسل فائضها لدعم مساجد أخرى في المغرب، وحتى لدعم المسجد الأقصى، وكذلك الحرمين الشريفين».
بالجود ينفعل الوجود
أما المثال الثاني الذي تحدث عنه الريسوني، فيتعلق بالعالم الصوفي أبو محمد صالح، دفين آسفي، وهو تلميذ أبي العباس السبتي.
وقال الريسوني إن «أبا العباس السبتي اشتهر بفكرة عظيمة كان يقول فيها: «بالجود ينفعل الوجود»، أي إن الكرم والإنفاق يغيران أحوال العالم، وكان إذا جاءه الناس يشكون الجفاف أو الشدائد قال لهم: تصدقوا، وأنفقوا، وأعطوا الزكاة والصدقات. وقد تأثر تلميذه أبو محمد صالح بهذه الفكرة».
وفي زمن أبي العباس السبتي، يقول المتحدث: «وبسبب خطورة الطريق وانعدام الأمن، أفتى بعض فقهاء المغرب بأن الحج مرفوع عن المغاربة مؤقتًا، لكن أبا محمد صالح لم يرد بفتوى، بل رد بالفعل وبحل للمشكلة، فأنشأ شبكة من الزوايا تمتد من آسفي إلى المدينة المنورة، تمر عبر شمال إفريقيا ومصر والشام، يستريح فيها الحجاج ويتلقون الإرشاد والمرافقة، وكان عددها نحو ست وأربعين زاوية».
فحُلّت مشكلة الحج، يضيف الريسوني، «وأصبح الحجاج ينطلقون من المغرب إلى الحجاز عبر هذه الشبكة من الزوايا التي تقدم لهم الدعم والإقامة والإرشاد. وهكذا استطاع هذا الرجل، بتعاون تلاميذه ومريديه، أن يحل مشكلة عجزت عنها الظروف السياسية والأمنية في ذلك الوقت».
ويرى الريسوني أن «إحسان المغاربة ليس إحسانًا عاديًا، بل فيه إبداع وإشراقات وأعمال رائدة وأعمال فوق العادة، وكل ذلك إنما تحقق بالإخلاص والصدق، وبتحقيق معنى: «بالجود ينفعل الوجود».