أوربا والإرهاب وسنة 1992... الذروة الدولية لإسبانيا الديمقراطية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 19)

09/03/2026 - 17:00
أوربا والإرهاب وسنة 1992... الذروة الدولية لإسبانيا الديمقراطية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 19)

تتناول هذه الحلقة من سلسلة المصالحة المرحلة التي يسميها خوان كارلوس الأول «بناء مكانة إسبانيا وهيبتها». إنها مرحلة يقدّمها الملك بوصفها زمن خروج البلاد من عزلة الحقبة الفرنكوية إلى فضاء أوربا الديمقراطية، وتحولها إلى دولة حديثة حاضرة على الساحة الدولية. بين الانضمام إلى الجماعة الأوربية، ومواجهة الإرهاب الذي مارسته منظمة إيتا، واللحظة الرمزية التي مثلتها سنة 1992، يرسم الملك صورة لإسبانيا تستعيد موقعها في العالم.
يكتب خوان كارلوس الأول: «كان لديّ الانطباع بأن إسبانيا دخلت في ذلك اليوم، عن وعي وإرادة، مرحلة جديدة من تاريخها». كان يتحدث عن 12 يونيو 1985، اليوم الذي وقّع فيه وثيقة انضمام إسبانيا إلى الجماعات الأوربية في قاعة الأعمدة بالقصر الملكي في مدريد. اختيار المكان لم يكن بلا دلالة: ففي القاعة نفسها سيوقّع بعد ما يقرب من ثلاثة عقود وثيقة تنازله عن العرش.
يقدّم الملك دخول إسبانيا إلى أوربا بوصفه إنجازاً شارك فيه شخصياً. فهو يعترف بأن المفاوضات التقنية كانت بيد الحكومة، لكنه يؤكد أنه لعب دوراً مهماً من خلال اتصالاته المباشرة مع رؤساء الدول الأوربية، حيث كان يذكّرهم باستمرار بأهمية انضمام إسبانيا إلى المشروع الأوربي.
غير أن هذه الرواية تقلّل من دور عناصر أساسية في ذلك المسار. فالمفاوضات التي أدت إلى الانضمام لم تكن سهلة، بل شملت ملفات حساسة مثل الحصص الزراعية والصيد البحري. وقد قادها سياسيون ومسؤولون حكوميون، وفي مقدمتهم حكومة فيليبي غونثاليث، التي اضطلعت بدور مركزي في إقناع الشركاء الأوربيين بجدوى إدماج إسبانيا في السوق الأوربية المشتركة.
في الواقع، لم يكن انضمام إسبانيا إلى أوربا مجرد خيار سياسي، بل كان ضرورة تاريخية. فالبلاد، بعد عقود من العزلة في عهد فرانكو، كانت بحاجة إلى الاندماج في أوربا لتحديث اقتصادها وتعزيز مؤسساتها الديمقراطية والتخلص من الصورة التي ارتبطت بها خلال الحقبة الديكتاتورية.
ظلّ محاولة انقلاب 23 فبراير
لا يغفل خوان كارلوس الأول في مذكراته الإشارة إلى محاولة الانقلاب في 23 فبراير 1981، التي شكّلت لحظة حرجة في تاريخ الديمقراطية الإسبانية. ويقرّ بأن تلك الأحداث أثّرت سلباً في صورة البلاد لدى الشركاء الأوربيين.
لكن الملك يرى أيضاً أن تلك الأزمة أتاحت للأوربيين أن يلاحظوا موقفه الحاسم دفاعاً عن الدستور. وبحسب روايته، فقد أثبتت تلك اللحظة أن النظام الديمقراطي في إسبانيا يمتلك القدرة على الصمود.
ومع ذلك، فإن الواقع كان أكثر تعقيداً. فقد أثار الانقلاب شكوكاً عميقة لدى كثير من القادة الأوربيين حول استقرار الديمقراطية الإسبانية. وكان الخوف قائماً من احتمال عودة الجيش إلى التدخل في الحياة السياسية. غير أن تماسك المؤسسات وإصرار المجتمع الإسباني على حماية المسار الديمقراطي حالا دون حدوث ذلك.
إيتا: «محنة» العهد
يشكّل الإرهاب الذي مارسته منظمة إيتا محوراً مهماً في هذه الحلقة من المذكرات. فالملك يصف تلك السنوات بأنها «محنة» رافقت عهده، ويستحضر مئات الضحايا الذين سقطوا في الهجمات التي نفذتها المنظمة.
فقد خلّفت عمليات إيتا أكثر من 850 قتيلاً وآلاف الجرحى، فضلاً عن أجواء الخوف التي عاشتها مناطق واسعة من إسبانيا، ولا سيما إقليم الباسك. كما يشير الملك إلى محاولات الاعتداء التي استهدفته شخصياً واستهدفت أفراد عائلته.
غير أن معالجة هذا الملف في النص تبدو أقرب إلى استحضار المعاناة الإنسانية منها إلى تحليل سياسي معمق. فالتركيز ينصبّ أساساً على التعاون الأمني مع فرنسا في مواجهة المنظمة، وهو تعاون بدأ في عهد فرانسوا ميتران وتطور لاحقاً مع حكومات فرنسية أخرى، وصولاً إلى مرحلة نيكولا ساركوزي.
ومع ذلك، يتجنب النص التطرق إلى قضايا أكثر تعقيداً، مثل الجذور السياسية للنزاع الباسكي أو الجدل الذي أثارته ممارسات الدولة في إطار الحرب ضد الإرهاب، ومن بينها نشاط فرق «غال» (GAL) التي عملت في ثمانينيات القرن الماضي ضد عناصر إيتا خارج الإطار القانوني.
وهكذا، فإن الرواية التي يقدمها الملك تبدو مباشرة: إيتا تمثل الشر المطلق، والديمقراطية الإسبانية استطاعت في النهاية أن تنتصر.
1992: عام الذروة
تبلغ هذه المرحلة ذروتها مع سنة 1992، التي أصبحت رمزاً لعودة إسبانيا بقوة إلى الساحة الدولية. ففي تلك السنة استضافت برشلونة الألعاب الأولمبية الصيفية، ونظّمت إشبيلية المعرض العالمي، واختيرت مدريد عاصمة الثقافة الأوربية. كما احتفلت البلاد بالذكرى الخمسمئة لرحلة كريستوفر كولومبوس إلى العالم الجديد.
بالنسبة إلى خوان كارلوس الأول، كانت تلك السنة لحظة استثنائية في تاريخ إسبانيا الحديث. فقد أظهرت البلاد نفسها للعالم بوصفها دولة حديثة ومنفتحة، قادرة على تنظيم أحداث دولية كبرى.
ويخصص الملك مساحة مهمة للحديث عن الألعاب الأولمبية في برشلونة. فهو يروي كيف دعم ترشيح المدينة بالتعاون مع خوان أنطونيو سامارانش، الذي كان آنذاك رئيس اللجنة الأولمبية الدولية. وقد تحققت تلك الرؤية عندما فازت برشلونة بتنظيم الألعاب، التي تحولت لاحقاً إلى أحد أبرز الأحداث الرياضية في تاريخ البلاد.
وكانت النتائج الرياضية أيضاً مميزة، إذ حصدت إسبانيا 22 ميدالية أولمبية، منها ثلاث عشرة ذهبية، وهو أفضل إنجاز لها حتى ذلك الوقت. وكان الأمير فيليبي يحمل علم الوفد الإسباني خلال حفل الافتتاح، فيما تابعت العائلة الملكية المنافسات بحماس كبير.
أما المعرض العالمي في إشبيلية، فقد استقطب أكثر من 40 مليون زائر وأسهم في تحويل المدينة إلى مركز عالمي للثقافة والتكنولوجيا. كما شهدت تلك الفترة افتتاح أول خط للقطار فائق السرعة في إسبانيا بين مدريد وإشبيلية، وهو مشروع أصبح رمزاً للتحديث الاقتصادي والبنية التحتية الجديدة في البلاد.
في هذه الرواية، يظهر خوان كارلوس الأول بوصفه ملكاً–سفيراً، منخرطاً شخصياً في دعم المشاريع الكبرى التي ساهمت في وضع إسبانيا في قلب المشهد الدولي. فبالنسبة إليه، لم يكن دور الملك يقتصر على تمثيل الدولة داخل النظام الدستوري، بل شمل أيضاً تعزيز حضور إسبانيا في العالم وترسيخ صورتها كدولة ديمقراطية حديثة.

 

شارك المقال