من الملك-السفير إلى الملك التجاري: حين تتداخل الدبلوماسية مع المصالح الاقتصادية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 20)

10/03/2026 - 17:00
من الملك-السفير إلى الملك التجاري: حين تتداخل الدبلوماسية مع المصالح الاقتصادية (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 20)

إذا كانت الحلقة الأولى من هذه المرحلة تروي صعود إسبانيا على الساحة الدولية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، فإن هذه الحلقة الثانية تكشف جانباً آخر من تلك الرواية: التحول التدريجي لدور خوان كارلوس الأول من ملك-سفير يمثل بلاده في الخارج إلى فاعل يشارك بشكل مباشر في الترويج للمصالح الاقتصادية الإسبانية.
في مذكراته، يولي الملك أهمية كبيرة لمشروع المجتمع الإيبيري-الأمريكي وللقمم الإيبيرية-الأمريكية التي بدأت منذ سنة 1991 وتجمع سنوياً قادة الدول الناطقة بالإسبانية والبرتغالية. ويقدّم هذه المبادرة بوصفها امتداداً طبيعياً للعلاقات التاريخية والثقافية بين إسبانيا وأميركا اللاتينية.
يرى خوان كارلوس الأول في تلك القمم فضاءً للحوار السياسي والتعاون الاقتصادي، لكنه يحرص أيضاً على إبراز دوره الشخصي في تعزيز هذه الروابط. فهو يذكّر بأنه زار معظم دول أميركا اللاتينية خلال سنوات حكمه، وبأنه نسج علاقات مباشرة مع رؤسائها وقادتها.
في إحدى العبارات التي يوردها في مذكراته، يقول إن كثيرين في تلك الدول كانوا يخاطبونه ببساطة بقولهم: «الملك». ويشير إلى أن شعبيته في المنطقة بلغت حد اعتباره، في إحدى الدراسات سنة 2008، الشخصية الأكثر شعبية في أميركا اللاتينية.
ومن بين القصص التي يوردها الملك، تلك التي حدثت خلال قمة غوادالاخارا سنة 1991. فقد منح رئيس الوزراء الإسباني آنذاك، فيليبي غونثاليث، أربع دقائق فقط لخطاب الزعيم الكوبي فيديل كاسترو. وحين انتهى كاسترو من كلمته ضمن الوقت المحدد، قال مازحاً: «فيليبي، لقد أصبحت ديكتاتورياً جداً!». ضحك الحضور جميعاً، ويستحضر خوان كارلوس الأول هذه الحادثة دليلاً على الأجواء الودية التي سادت تلك اللقاءات.
لكن هذه العلاقات الشخصية الواسعة لم تكن ذات طابع سياسي فقط. فقد بدأت مع مرور الوقت تتحول إلى أداة لتعزيز الحضور الاقتصادي الإسباني في الخارج.
الدبلوماسية الاقتصادية
من بين الأمثلة التي يذكرها الملك في هذا السياق قصة مشروع القطار فائق السرعة بين مكة والمدينة في المملكة العربية السعودية، وهو أحد أكبر المشاريع التي فازت بها شركات إسبانية في الخارج.
يروي خوان كارلوس الأول أنه خلال زيارة خاصة إلى الرياض سنة 2009 لاحظ وجود جناح لشركة «سيمنس» الألمانية تعرض فيه قطاراتها السريعة. وفي تلك اللحظة، كما يقول، خطر له أن بإمكان إسبانيا المنافسة في هذا المجال.
بعد ذلك مباشرة، تواصل مع مسؤولي شركة تالغو الإسبانية وطلب منهم تزويده بالمعلومات التقنية اللازمة. ثم أرسل هذه الوثائق إلى وزير النقل السعودي مرفقة بملاحظة شخصية منه، قبل أن يناقش المشروع خلال عشاء مع الملك عبد الله بن عبد العزيز.
وفي النهاية، فاز الكونسورتيوم الإسباني بالعقد الذي تجاوزت قيمته ستة مليارات يورو. ويكتب خوان كارلوس الأول في مذكراته بفخر واضح: «شعرت بأنني كنت عرّاب هذه المغامرة».
لا شك أن المشروع كان نجاحاً كبيراً للشركات الإسبانية وللهندسة السككية في البلاد. غير أن هذه القصة تثير أيضاً تساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن يلعبه رئيس الدولة في الترويج لشركات خاصة.
حدود الدور الملكي
في الأنظمة الملكية الدستورية، يُفترض أن يظل دور الملك رمزياً وممثلاً للدولة، لا فاعلاً مباشراً في المنافسة الاقتصادية بين الشركات. غير أن الرواية التي يقدمها خوان كارلوس الأول تُظهر أن الخط الفاصل بين الدبلوماسية الرسمية والدعم التجاري أصبح مع مرور الوقت أقل وضوحاً.
فالملك لم يكتفِ بتمثيل إسبانيا في الخارج، بل أصبح أحياناً وسيطاً مباشراً في مشاريع اقتصادية كبرى. وهو لا يرى في ذلك أي إشكال، بل يعتبره جزءاً من مهمته في خدمة مصالح بلاده.
لكن هذا النموذج من «الدبلوماسية الاقتصادية» كان يحمل في طياته مخاطر واضحة. فالعلاقات الشخصية التي نسجها الملك مع قادة دول أخرى، ولا سيما في منطقة الخليج، ستصبح لاحقاً موضع جدل واسع.
بداية الظل
ففي السنوات اللاحقة، ظهرت اتهامات تتعلق بتحويلات مالية ضخمة وهبات من مسؤولين أجانب، إضافة إلى شبهات حول عمولات مرتبطة ببعض المشاريع الدولية. وقد فتحت هذه القضايا تحقيقات قضائية في إسبانيا وسويسرا، وأثارت جدلاً كبيراً حول حدود الدور الذي لعبه الملك السابق في بعض الصفقات الاقتصادية.
وبذلك، فإن الشبكة نفسها من العلاقات الدولية التي ساهمت في تعزيز صورة إسبانيا في التسعينيات تحولت مع مرور الوقت إلى مصدر للشكوك والانتقادات.
بين المجد والسقوط
تُظهر هذه الحلقة من المذكرات خوان كارلوس الأول في لحظة ذروة تأثيره الدولي. فقد كانت إسبانيا آنذاك بلداً حديثاً ومنفتحاً، ينظم أحداثاً عالمية ويشارك في مشاريع اقتصادية كبرى.
لكن قراءة هذه الصفحات اليوم، في ضوء الأحداث التي تلت ذلك، تكشف أيضاً جانباً آخر من القصة. فالنموذج الذي تبناه الملك — ملك نشط دبلوماسياً واقتصادياً — كان في البداية مصدر قوة للبلاد وصورتها في الخارج.
غير أن هذا النموذج نفسه سيصبح لاحقاً أحد أسباب الجدل الذي أحاط بنهاية عهده.
وهكذا، بين قمم أميركا اللاتينية ومشاريع الشرق الأوسط، وبين الدور الدبلوماسي والتدخل الاقتصادي، رسم خوان كارلوس الأول ملامح ملكية نشطة ومؤثرة. ملكية احتفت بها إسبانيا لسنوات طويلة… قبل أن تبدأ في مساءلتها.

 

شارك المقال