أعمال وعمولات و«هدايا»: تشريح ثروة غامضة (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 21)

11/03/2026 - 17:00
أعمال وعمولات و«هدايا»: تشريح ثروة غامضة (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 21)

يخصص خوان كارلوس الأول صفحات قليلة فقط للفضائح المالية التي أنهت عهده. وعندما يتطرق إليها، يقدّم نفسه مرة أخرى بوصفه ضحية: «أعماني آنذاك محيط سيّء النية»، و«خدعني رجال أعمال قليلو الضمير». يعترف بأنه تلقى 100 مليون دولار من الملك السعودي، لكنه يبرر ذلك باعتباره «هدية» ثقافية. كما أجرى ثلاث تسويات ضريبية دفع بموجبها نحو خمسة ملايين يورو إلى الخزينة الإسبانية، لكنه لا يكاد يذكر ذلك. أما التحقيقات في إسبانيا وسويسرا فقد أُغلقت بسبب التقادم والحصانة الملكية، لا بسبب البراءة. والنتيجة رواية تتجنب تحمّل المسؤولية وتخلط بين الفساد والسذاجة.
»لقد أعماني آنذاك محيط سيّئ النية. وارتكبت ضعفاً حين وضعت ثقتي في رجال أعمال قُدّموا إليّ». هذه هي تقريباً المراجعة الذاتية الوحيدة التي يقدمها خوان كارلوس الأول بشأن الفضائح المالية التي أنهت عهده. فلا يوجد اعتراف مباشر بالمسؤولية، ولا تفسير لكيفية وصول 100 مليون دولار إلى حسابات سويسرية باسمه، ولا توضيح لدور مؤسسة «لوكوم» في ليختنشتاين. ما يقدمه فقط هو سردية رجل خُدع من قبل محيطه.
الفصل الذي يتناول فيه مشكلاته المالية قصير ومراوغ، صيغ بطريقة توحي بالرغبة في إثارة التعاطف. يقول: «أعترف بأن بعض رجال الأعمال قليلي الضمير أحاطوا بي خلال فترة حكمي وتصرفوا باسمي، لكن قبل كل شيء لمصلحتهم الشخصية. لقد خانوا صداقتي وثقتي العمياء». العبارة لافتة: تصرفوا باسمه، لكنه لم يكن يعلم شيئاً. أثروا أنفسهم، لكنه بريء. خانوه، لكنه وثق بهم بلا حدود.
الاعتراف الذي لا يعترف
أكثر ما يلفت في هذا السرد المالي ليس ما يقوله الملك السابق، بل ما يتجاهله. فهو بالكاد يذكر أنه قام بثلاث تسويات ضريبية طوعية بين عامي 2020 و2021، دفع بموجبها نحو خمسة ملايين يورو إلى الخزينة الإسبانية. والتسوية الضريبية تعني عملياً الاعتراف بوجود مداخيل لم يُصرّح بها. أما القيام بثلاث تسويات متتالية فيوحي بوجود نمط منهجي من الإخفاء.
لكن الكتاب يكتفي بإشارة عابرة: إذ يقول إن أصدقاء ساعدوه على جمع «المبلغ الذي طلبته مصلحة الضرائب» اضطروا إلى توثيق الأمر لدى كاتب عدل على شكل قرض. ثم يضيف، بنبرة استياء، أن «كثيراً منهم تعرض لاحقاً لتفتيش ضريبي»، وكأن المشكلة تكمن في أن السلطات المالية حققت مع من أقرضوه الملايين، لا في أنه احتاج تلك الأموال لتسوية ديون غير معلنة.
أما التفسير الذي يقدمه فهو أقرب إلى الشفقة الذاتية: «لست رجلاً من أهل المال كما يدّعي البعض. ليست لدي معرفة أو خبرة في هذا المجال». ويروي حكاية تعود إلى طفولته حين باع، وهو في السادسة من عمره، قلماً ذهبياً بخمسة فرنكات ليشتري حلوى. استعاد والده القلم وعاقبه، ويخلص إلى القول: «أدركت حينها أن الطمع مستشار سيئ». وكأن هذه الحكاية الطفولية تفسر حسابات بملايين الدولارات في سويسرا بعد أربعين عاماً.
رجال الأعمال الذين خانوه
يرفض خوان كارلوس الأول تسمية «رجال الأعمال قليلي الضمير» الذين يدّعي أنهم خدعوه. يقول: «لا معنى لذكر أسمائهم؛ فبعضهم دفع ثمناً باهظاً وانتهى به الأمر حتى في السجن. لقد حاولوا توريطي للدفاع عن أنفسهم وتشويه سمعتي، لكنها كانت محض افتراءات».
إنها استراتيجية مثالية: هناك مذنبون لكنه لا يسميهم. حدثت خيانات لكنه لا يشرحها. حاولوا توريطه، لكنه يؤكد أن ذلك كذب. كل شيء يبقى في دائرة الغموض، حيث يصعب التحقق أو التفنيد. ويضيف: «أنا غاضب من نفسي لأنني منحت تعاطفي بسرعة كبيرة، ولأنني سمحت لهم بالوصول إلى شبكة علاقاتي».
بحسب هذه الرواية، الخطأ كان في الثقة الزائدة. «السلطة تجذب الانتهازيين والمتملقين، ولم أكن حذراً بما يكفي. اعتقدت أن حدسي سينبهني، لكنني أعترف بأنهم استغلوني». وهكذا يقدم ملك حكم لعقود، محاطاً بمستشارين وخبراء، نفسه ضحية ساذجة لمحتالين.
مئة مليون: هدية لا يمكن رفضها
الفضيحة الوحيدة التي يتناولها خوان كارلوس الأول بشيء من التفصيل ــ لأنه لم يكن أمامه خيار آخر ــ هي المئة مليون دولار التي تلقاها من الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2008. فقد أودعت تلك الأموال في حساب سويسري وظلت مخفية حتى كشفتها تحقيقات صحفية عام 2020.
تبريره ذو طابع ثقافي: «كانت لدي رسالة رسمية من وزارة المالية السعودية توضح بجلاء مصدر هذا التبرع. أستطيع أن أؤكد أنه قُدم دون أي مقابل، باسم صداقة استمرت أربعين عاماً، وبروح التضامن بين العائلات الملكية، وكرم العطاء الذي يميز القادة العرب».
دون مقابل. لكن إسبانيا كانت قد حصلت في الوقت نفسه على عقد القطار فائق السرعة بين مكة والمدينة بقيمة 6,7 مليارات يورو، وهو مشروع روّج له خوان كارلوس الأول شخصياً. صدفة؟ هو يؤكد ذلك: فقد رأى بالصدفة خيمة لشركة «سيمنس» في الرياض، فسأل عنها، ثم اتصل بشركة «تالغو» وروّج للمشروع. كل شيء حدث بالمصادفة. ثم، بالمصادفة أيضاً، تلقى هدية قدرها مئة مليون دولار.
يقول: «أعترف بأن مئة مليون دولار مبلغ كبير. إنها هدية لم أكن أستطيع رفضها. كان ذلك خطأً جسيماً». هذه هي كلمات النقد الذاتي الوحيدة تقريباً. لكنه سرعان ما يبرر قبول المال: كان يحتاجه لإعالة زوجته، وبناته اللواتي لم يعدن ضمن العائلة الملكية، وأحفاده، ولضمان تقاعده. وكأن ملكاً عاش أربعة عقود في قصور الدولة يحتاج إلى مئة مليون مخبأة في سويسرا ليؤمّن مستقبله.


تحقيقات أُغلقت… لكنها لم تبرّئه
يكرر خوان كارلوس الأول أن التحقيقات أُغلقت وأنه لم يُتهم رسمياً وأن كل شيء «لا أساس له». وهذا صحيح تقنياً، لكنه مضلل. فقد أغلقت النيابة العامة في المحكمة العليا الإسبانية التحقيق عام 2022 لسببين: تقادم الوقائع (إذ حدثت عندما كان ملكاً قبل أكثر من خمس سنوات)، ومبدأ الحصانة الملكية الذي كان يمنع محاكمته أثناء توليه العرش.
إغلاق الملف لم يكن حكماً بالبراءة. لم يقل إن الوقائع لم تحدث أو إنها كانت قانونية. بل اكتفى بالإقرار بأن محاكمتها لم تعد ممكنة لأسباب قانونية وزمنية. وهي نقطة جوهرية يتجاهلها الكتاب عمداً.
أما التحقيق السويسري بشأن مؤسسة «لوكوم» فقد أُغلق أيضاً، لكن بعد أن قام خوان كارلوس الأول بتسوية وضعه الضريبي. أي إنه دفع ما كان عليه، ثم أُغلق الملف. ليست براءة، بل تسوية.
حجة «زمن آخر«
أكثر ما يرد في دفاع خوان كارلوس الأول هو الحجة الجيلية. يقول: «لقد نشأت في عالم كان المال فيه يتدفق بطريقة أبسط، وكانت الهبات والهدايا للحفاظ على الأسرة أمراً طبيعياً». ويصف كيف كان والده، دون خوان، يعيش من «سخاء العائلات الملكية» بينما كان في المنفى في إستوريل.
ويضيف: «قبل ثلاثين عاماً لم يكن أحد يهتم بذلك. اليوم علينا أن نبرر كل شيء. هذا ليس العالم الذي نشأت فيه».
لكن هذا التبرير يخلط بين أمرين مختلفين تماماً: دعم الأرستقراطيين لمدّعٍ للعرش يعيش في المنفى (دون خوان)، وامتلاك رئيس دولة دستورية حسابات سرية بملايين الدولارات في ملاذات ضريبية.
ضحية أم صانع للنظام؟
في النهاية، يمكن تلخيص الفصل المالي كله في سؤال واحد: هل كان خوان كارلوس الأول ضحية لرجال أعمال بلا ضمير، أم مهندس نظام للثراء الشخصي؟ يريد الكتاب أن نصدق الاحتمال الأول. لكن الوقائع تشير إلى الثاني.
ملك احتفظ لعقود بحسابات سرية في سويسرا، وتلقى مئة مليون من ملك أجنبي، واضطر إلى ثلاث تسويات ضريبية متتالية، وغادر البلاد إلى أبوظبي لتجنب الضغط القضائي، ليس ضحية ساذجة.
بل هو شخص خلط بين موقعه المؤسسي وامتيازاته الشخصية، ودمج عمداً مصالح الدولة بمصالحه الخاصة، واعتقد أن القواعد لا تنطبق عليه.
يكتب: «وجدت نفسي في وسط تعقيد مالي خرج عن سيطرتي». لكن المئة مليون لم تظهر في سويسرا من العدم. والحسابات لم تُفتح وحدها. والتسويات الضريبية لم تكن نتيجة خطأ إداري.
فعلى مدى عقود، بنى خوان كارلوس الأول نظاماً مالياً غامضاً مكّنه من جمع ثروات غير معلنة. وعندما انهار كل شيء، قدّم نفسه ضحية.
إنها استراتيجية مألوفة للتهرب من المسؤولية: الاعتراف بأخطاء صغيرة («كنت ساذجاً»، «وثقت أكثر من اللازم») لتجنب مواجهة الأخطاء الكبرى: الفساد المنهجي، واستغلال المنصب، والإثراء غير المشروع.
فالمئة مليون لم تلطخ تاجاً نقياً. بل كشفت أن التاج كان ملوثاً منذ زمن بعيد، وأن خوان كارلوس الأول لم يكن ضحية، بل المسؤول الأول.

 

شارك المقال