التنازل عن العرش: انهيار صورةٍ عامة كانت تبدو عصيّة على السقوط (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 23)

12/03/2026 - 17:00
التنازل عن العرش: انهيار صورةٍ عامة كانت تبدو عصيّة على السقوط (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 23)

لم يكن التنازل عن العرش، في الرواية الرسمية، سوى فعلٍ من أفعال السمو المؤسسي، وخطوةً مدروسة تفسح المجال أمام جيل جديد يتسلم المشعل. هكذا أراد خوان كارلوس الأول أن يقدّم قراره: انتقالاً هادئاً ومنظّماً للسلطة، يمليه حسّ الدولة أكثر مما تفرضه الضرورة. غير أن تفكيك السياق الذي سبق إعلان 2 يونيو 2014 يكشف واقعاً مختلفاً تماماً: واقعَ ملكٍ لم يعد يسقط فقط تحت وطأة العمر والمرض، بل تحت عبء فضائح متراكمة قوّضت هيبته، وكسرت صورةً بُنيت طوال عقود على الإجماع والصمت والتساهل.
في الثاني من يونيو 2014، وعند الواحدة بعد الزوال، توقفت إسبانيا أمام شاشات التلفزيون. ظهر خوان كارلوس الأول بصوت متكسّر وملامح مشدودة ليعلن، بعد تسعة وثلاثين عاماً من الحكم، قراره بالتنازل عن العرش. قال يومها: «لقد آن الأوان لكي يتقدم إلى الصف الأول جيلٌ أصغر سناً، بطاقة جديدة، وعزمٍ على القيام بالإصلاحات والتحولات التي تفرضها المرحلة الراهنة». بدا الخطاب مشبعاً بلغة النبل المؤسسي: ملك يسلّم الراية إلى ابنه المؤهّل، ويختار أن ينسحب في اللحظة المناسبة حتى تواصل المؤسسة الملكية تجددها.
غير أن هذه الصورة المصقولة تبدأ بالتصدع فور العودة إلى العامين اللذين سبقا ذلك الإعلان. ففي مذكراته، يسعى خوان كارلوس إلى إقناع القارئ بأن قرار التنازل كان ثمرة تفكير هادئ وطويل، وأن العامل الحاسم فيه كان تدهور صحته ورغبته في إفساح المجال أمام تجديد طبيعي داخل المؤسسة. يقول إنه بدأ يفكر جدياً في الأمر في مطلع سنة 2014، ويعدد متاعبه الصحية: عمليات جراحية متعددة في الورك، آلام مزمنة، انقطاع النفس أثناء النوم، علاجات مرهقة لإعادة تأهيل الحركة. ولا شك في أن حالته الجسدية كانت فعلاً في تراجع، لكن تقديم هذا المعطى بوصفه السبب الرئيسي للتنازل ليس سوى نصف الحقيقة، وربما أقل من ذلك.
من الشرخ إلى الانكشاف
المنعطف الحقيقي لم يكن طبياً بل سياسياً وأخلاقياً. ففي أبريل 2012، بينما كانت إسبانيا تعيش واحدة من أقسى أزماتها الاقتصادية، مع أكثر من خمسة ملايين عاطل عن العمل وشباب يغادرون البلاد بحثاً عن مستقبل في الخارج، كان الملك يكسر وركه في بوتسوانا أثناء رحلة صيد أفيال. لم تكن المشكلة فقط في الرحلة الباذخة وسط بلد يئن اجتماعياً، بل في كل ما أحاط بها: رفقة كورينا لارسن، التي كانت آنذاك شريكته العاطفية، فيما كانت الملكة صوفيا تتعافى من عملية جراحية في مدريد. المشهد، بكل عناصره، كان مدمّراً.
لأول مرة، انكسر الصمت الذي حمى الحياة الخاصة للملك طوال سنوات. الصور التي انتشرت لملك في الرابعة والسبعين من عمره، يصطاد حيوانات محمية في إفريقيا بينما بلاده تغرق في التقشف والبطالة، قلبت المزاج العام. لم يعد خوان كارلوس يظهر في نظر كثير من الإسبان ذلك الملك الذي رافق الانتقال الديمقراطي وحمى الاستقرار؛ بل بدا رجلاً يعيش خارج القواعد التي تُفرض على الجميع. وفي مذكراته اليوم، يكتب بنبرة تقليلية: «أعترف بأن تلك الرحلة البعيدة والمكلفة قد تبدو غير منسجمة مع وضع البلاد». ثم يضيف سريعاً أنه يرفض أن يُنظر إليها دليلاً على عدم اهتمامه بوظيفته كرئيس للدولة.
لكن هذا الدفاع لم يعد مقنعاً. فبوتسوانا لم تكن زلة عابرة ولا مجرد خطأ في التقدير أو التواصل، بل لحظة انكشاف علني لأسلوب حياة كامل. لقد أكدت ما كان كثيرون يشتبهون فيه منذ زمن: أن خوان كارلوس لم يعد يرى في التاج فقط مسؤولية دستورية، بل امتيازاً شخصياً يتيح له ما لا يتيحه المنصب نفسه في الأنظمة الديمقراطية الحديثة.
قضية «نوس» واتساع الشقوق
وكأن فضيحة بوتسوانا لم تكن كافية، جاءت قضية نوس لتضيف إلى المشهد بعداً أكثر خطورة. فصهره إينياكي أوردانغارين وُجّهت إليه تهم فساد، ثم امتدّت التحقيقات إلى ابنته كريستينا نفسها. للمرة الأولى في التاريخ الديمقراطي الحديث لإسبانيا، أصبح أفراد من العائلة المالكة مرتبطين مباشرة بقضية جنائية من هذا الحجم. هنا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بسلوك شخصي طائش أو حياة خاصة متحررة من الضوابط، بل صار يتعلق بصميم صورة المؤسسة نفسها.
وكانت آثار ذلك عميقة. فالملكية التي تمتعت منذ الانتقال الديمقراطي بهالة توافقية واسعة، بدأت تفقد حصانتها الرمزية. ولم تعد الانتقادات الجمهورية محصورة في الهوامش السياسية أو الأوساط اليسارية التقليدية، بل صارت تمتد إلى قطاعات أوسع من المجتمع، بما فيها فئات كانت ترى في المؤسسة الملكية ضمانة للاستقرار.
السقوط في استطلاعات الرأي
يشير خوان كارلوس في مذكراته، عابراً تقريباً، إلى أن «الاستطلاعات أظهرت تراجعاً حاداً منذ حادثة بوتسوانا عام 2012». لكنه هنا يستخدم تعبيراً مخففاً إلى حدّ بعيد. فما حدث بين 2012 و2014 لم يكن مجرد تراجع في الشعبية، بل انهياراً في صورته العامة. فقد بدأت المظاهرات الجمهورية تتكاثر، وأصبح التشكيك في شرعية الملكية نفسها، للمرة الأولى منذ عقود، جزءاً من النقاش العمومي المفتوح.
سجّل مركز البحوث السوسيولوجية في إسبانيا تراجعاً حاداً في تقييم صورة الملك، بأكثر من عشرين نقطة في بعض المؤشرات. كانت المؤسسة تدخل طوراً جديداً من أزمة الشرعية، ولم يعد ممكناً الاكتفاء بلغة الوقار والتاريخ لإنقاذها. ويبدو أن خوان كارلوس كان واعياً بذلك حين كتب: «كنت أعلم أنني، منذ سنتين، لم أعد أتمتع بالدعم الإجماعي من الشعب». لكنه يسارع إلى التخفيف من وقع العبارة قائلاً إن نسبة المؤيدين له، بعد تسعة وثلاثين عاماً من الحكم، كانت ما تزال «مقبولة».
هذه الكلمة وحدها كاشفة: «مقبولة». لا يتحدث عن دعم قوي ولا عن قاعدة متماسكة، بل عن حد أدنى يسمح بالاستمرار شكلياً لا أكثر. وهي مفردة تعكس إدراكاً داخلياً بأن الرصيد الرمزي الذي جمعه طيلة عقود بدأ ينفد بسرعة، وأن كل شهر إضافي في العرش كان يضاعف الضرر، ليس عليه فقط، بل على المؤسسة التي كان ابنه سيَرِثها لاحقاً.
حين يصبح الجسد جزءاً من الأزمة
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن العامل الصحي كان حاضراً. فقد وصف خوان كارلوس بدقة مشهده في الاحتفال العسكري ليوم 6 يناير 2014، حين ظهر متردداً وغير ثابت الخطى أمام الجنود. قال إنه كان مرهقاً بسبب انقطاع النفس أثناء النوم والآلام الناتجة عن عملياته المتعددة، وإنه تناول جرعة عالية من المسكنات جعلته يعاني من نعاس شديد، فضلاً عن مشكلة قلبية أثّرت حتى في رؤيته. وبين عامي 2012 و2013، خضع بالفعل لست عمليات: استبدال طرفين اصطناعيين في الورك بعد التهابات، وتركيب طرف اصطناعي للركبة، وعلاج خلع، وفتق غضروفي.
لكنه لا يكتب عن هذه التفاصيل بوصفها محنة صحية فقط، بل بوصفها أيضاً إهانة رمزية لا يمكن تحمّلها. يقول إنه كان من غير الوارد أن يظهر علناً بلباس عسكري وهو على كرسي متحرك أو حتى متكئاً على عكازين لتفقد القوات. في هذه العبارة يتكثف شيء من تربيته العسكرية وفهمه الذاتي للملكية: الضعف الجسدي ليس مجرد حالة صحية، بل مساس بالصورة والسلطة والتمثيل.
غير أن ما يُقرأ بين السطور أهم مما يُقال مباشرة. فالمشكلة لم تكن فقط في أن صحته لم تعد تساعده، بل في أن المظاهر نفسها لم تعد قابلة للحفظ. ملكٌ متعب، مهتز، مثقل بفضائح علنية، ومطارد بتراجع شعبيته، لم يعد قادراً على أن يقدّم نفسه كما كان يفعل من قبل: رمزاً للاستمرارية والثبات. لقد بدأ الجسد نفسه يتحوّل إلى جزء من الأزمة.
ملك مكسور أكثر مما هو مريض
عند هذه النقطة، تتضح صورة مختلفة تماماً عن تلك التي يحاول الملك السابق رسمها. لم يكن فقط رجلاً أنهكته السنين والعمليات، بل ملكاً مكسوراً سياسياً ورمزياً. فبوتسوانا فتحت الباب، وقضية نوس وسّعت الشرخ، وتراجع الشعبية عمّق العزلة، والمرض جعل التراجع أكثر وضوحاً. لم يعد بالإمكان الفصل بين الشخصي والمؤسسي، ولا بين الجسم والصورة، ولا بين الخطأ الخاص وأزمة الشرعية العامة.
لهذا، فإن التنازل عن العرش لم يكن في بدايته قصة كرم مؤسسي، بل قبل كل شيء نتيجة سقوط صورة عامة كانت، حتى وقت قريب، تبدو فوق النقد وفوق المساءلة. لقد انكشفت هشاشتها دفعة واحدة. وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل ينبغي أن يرحل؟ بل: متى وكيف يرحل بأقل قدر ممكن من الخسائر؟

 

شارك المقال