إذا كان انهيار صورة خوان كارلوس الأول هو ما جعل التنازل عن العرش ممكناً، فإن الطريقة التي تم بها ذلك تُظهر أن الأمر لم يكن مجرد خطوة طبيعية في انتقال الأجيال، بل عملية إنقاذ دقيقة، هدفها الأول حماية ما تبقى من المؤسسة الملكية قبل أن يصبح الضرر غير قابل للإصلاح. ففي صيف 2014 لم يكن السؤال الحقيقي داخل دوائر السلطة الإسبانية هو ما إذا كان الملك يجب أن يرحل، بل كيف يمكن ترتيب رحيله بطريقة تمنح التاج فرصة البقاء.
في مذكراته، يصرّ خوان كارلوس الأول على تقديم القرار بوصفه عملاً نبيلاً نابعاً من حسّ الدولة. فهو يقول إنه قرر إفساح المجال أمام ابنه فيليبي لأنه كان «مؤهلاً جيداً»، بفضل تكوينه العسكري، ودراساته الجامعية الممتازة، وتجربته العملية. ويكرر الصيغة التي استُخدمت في خطاب 2 يونيو 2014: آن الأوان لكي تتقدم «أجيال أصغر سناً، بطاقة جديدة» من أجل مباشرة التحولات والإصلاحات التي تفرضها اللحظة.
لكن هذه الرواية، على ما فيها من انسجام لغوي ورمزي، تتجاهل ما كان واضحاً آنذاك: خوان كارلوس لم يعد يملك هامشاً سياسياً حقيقياً. كل يوم إضافي في العرش كان يزيد من هشاشة المؤسسة، وكان يثقل كاهل الملك المقبل بإرث قد يصبح قاتلاً منذ اليوم الأول.
عملية سرية بطابع طارئ
وصفه الشخصي لمسار التنازل يكشف إلى أي حد كانت المسألة أقرب إلى خطة احتواء أزمة منها إلى انتقال هادئ. يقول إن السرية كانت ضرورية «حتى لا تضطرب شؤون البلاد». أول من أُبلغ هو الأمير فيليبي، الذي حافظ ــ بحسب الرواية ــ على هدوئه لكنه لم يستطع إخفاء مفاجأته، وظل يسأله: «هل أنت متأكد من قرارك؟». بعد ذلك، جاء دور رئيس الحكومة ماريانو راخوي، ثم ألفريدو بيريث روبالكابا، ثم فيليبي غونثاليث وخوسيه ماريا أثنار. ويضيف أن جميع الوثائق المكتوبة كانت تُتلف فور انتهاء الاجتماعات.
هذا التفصيل ليس ثانوياً. فهو يدل على أن التنازل لم يكن يُدار كإجراء مؤسساتي اعتيادي، بل كملف بالغ الحساسية، يحتاج إلى انضباط شديد ومنعٍ كامل للتسريبات. بمعنى آخر: كانت هناك خشية واضحة من أن يؤدي أي خلل في التوقيت أو في المعلومة إلى مضاعفة الأزمة بدل تطويقها.
اختيار التوقيت بوصفه قراراً سياسياً
كان عام 2014 عاماً معقداً على الصعيد السياسي: انتخابات أوربية في مايو، كأس العالم في يونيو، أزمة كاتالونيا تتصاعد في الأفق، واستحقاقات بلدية وعامة تنتظر البلاد في 2015. يقرّ خوان كارلوس بأنه كان يفضّل الانسحاب بعد الاحتفال بأربعين عاماً من الحكم، لكن «السياق لم يسمح بذلك». هنا يظهر بوضوح أن القرار لم يكن فقط ابن الإرهاق الشخصي، بل ابن الحسابات الدقيقة أيضاً.

في النهاية تم اختيار 2 يونيو، بل جرى تقديم الموعد الذي كان متوقعاً في 9 يونيو بسبب الخوف من التسريبات. وفي صباح تسجيل الرسالة في قصر لاثارثويلا، صودرت هواتف فريق التلفزيون العمومي بدعوى التدابير الأمنية. وقال الملك لمصففة شعره: «هذه آخر مرة نلتقي فيها». ويعترف بأن التسجيل لم يخرج من المحاولة الأولى، إذ تكسّر صوته مراراً واضطر الفريق إلى إعادة التصوير ثلاث مرات على الأقل حتى يظهر الخطاب خالياً من «الدراما والندم».
هذه التفاصيل مهمة لأنها تُظهر أن التنازل لم يكن لحظة صفاء شخصي، بل لحظة إخراج محسوب. كان لا بد من خطاب مضبوط، وصورة متحكم فيها، وتوقيت لا يسمح بتشكل روايات بديلة قبل الرواية الرسمية.
هل أنقذ الملكية أم أنقذ نفسه؟
هنا تبرز المسألة الجوهرية: هل تنازل خوان كارلوس عن العرش لينقذ الملكية أم لينقذ نفسه؟ مذكراته تريد منا أن نصدق الاحتمال الأول. فهو يصور نفسه أباً سياسياً حكيماً، يعرف متى ينسحب، ويمنح البلاد وريثاً مُعدّاً جيداً، ويضع مصلحة المؤسسة فوق اعتبارات الذات.
لكن الوقائع تشير إلى أن الاحتمالين كانا متداخلين، مع رجحان واضح لمنطق النجاة السياسية. فقبل التنازل كانت فضيحة بوتسوانا قد حطمت صورته، وكانت قضية نوس قد ضربت العائلة المالكة في صميمها، وكانت التحقيقات في سويسرا تتقدم، كما بدأت كورينا تسو زاين-فيتغنشتاين تتحدث علناً، وواصلت الاستطلاعات تسجيل تراجع في شعبية المؤسسة. في هذا السياق، لم يعد استمرار خوان كارلوس في العرش خياراً آمناً.
لو بقي ملكاً، لكان فيليبي السادس قد ورث منذ يومه الأول كل هذا العبء. وكانت الملكية ستدخل عهدها الجديد مشلولة، حاملةً فوق كتفيها ثقل الشبهات التي تحيط بالأب. أما التنازل في 2014، فقد منح فيليبي وليتيثيا فسحة زمنية ثمينة لترتيب البيت الداخلي، وإعادة بناء صورة مؤسسة أكثر انضباطاً وحداثة، قبل أن تنفجر أخطر الفضائح لاحقاً.
وهذا ما حدث فعلاً. فعندما كُشفت سنة 2020 تفاصيل الأموال السعودية والحسابات الخارجية، واضطر فيليبي السادس إلى التخلي علناً عن ميراث والده وإلغاء مخصصاته، كانت الملكية قد حازت قدراً من التماسك المؤسسي يسمح لها بامتصاص الصدمة. لو كان خوان كارلوس ما يزال ملكاً يومها، لكان الأثر مدمّراً.
المشهد الأخير ورمزية الطاولة
في 18 يونيو 2014، وقّع خوان كارلوس في قاعة الأعمدة بالقصر الملكي القانون العضوي للتنازل عن العرش، وذلك أمام كبار مسؤولي الدولة. وقد حرص على الإشارة إلى أنه وقّع في الطاولة نفسها التي وقّع عليها سابقاً وثيقة انضمام إسبانيا إلى الجماعات الأوربية. الرمزية هنا مقصودة تماماً: الملك الذي ساعد، في الرواية الرسمية، على إعادة إسبانيا إلى أوربا، يغادر العرش الآن في فعل تاريخي مماثل.
ويكتب في مذكراته أنه بعد التوقيع تبادل المقعد مع ابنه، الذي عانقه بحرارة، «ولا شك من باب الامتنان»، على حد قوله. وهذه العبارة كاشفة بحد ذاتها. ففكرة الامتنان هنا توحي كما لو أن التنازل كان هدية من الأب إلى الابن، لا نتيجة ضرورية فرضتها الظروف. وكأن فيليبي مدين لوالده بهذا القرار، لا مثقَل بإرثه.
لكن ما يغفله خوان كارلوس هو أن ابنه لم يرث مؤسسة مزدهرة، بل ملكية مجروحة، مشكوكاً في نزاهتها، ومضطرة إلى إعادة بناء مشروعيتها من جديد. كما يغفل أن فيليبي السادس سيضطر، بعد سنوات قليلة فقط، إلى أن يبتعد علناً عن والده كي يحمي المؤسسة نفسها. وهذا وحده يكفي لإسقاط رواية «الانتقال الهادئ» بوصفها انتقالاً بلا كلفة.
ثمن أربعين عاماً من الإفلات من المحاسبة.
التنازل عن العرش لم يكن، في العمق، خاتمة طبيعية لعهد ناجح، بل النتيجة المؤجلة لأربعين سنة من السلوك الذي راكم الشروخ ببطء داخل صورة التاج. كل علاقة خارج الزواج، وكل حساب خفي في سويسرا، وكل هدية بملايين اليوروهات من ملكيات عربية، وكل استخدام للعلاقات الرسمية لخدمة مصالح شخصية، كان يشكل صدعاً صغيراً في البناء الرمزي للملكية. جاءت بوتسوانا فقط لتجعل هذه الصدوع مرئية دفعة واحدة.
يقدّم خوان كارلوس نفسه أحياناً في مذكراته كضحية لـ«أزمة اقتصادية غير مسبوقة» و«مناخ متوتر»، لكنه يتناسى أنه كان طرفاً أساسياً في صناعة هذا المناخ. لقد عاش، لزمن طويل، مقتنعاً بأن القواعد لا تسري عليه كما تسري على الآخرين، وأن في وسعه الجمع بين المنصب والحياة الموازية، بين الدولة والمصالح الخاصة، من دون ثمن سياسي حقيقي. وحين بدأت البلاد تطالبه، أخيراً، بما تطالب به أي مواطن، اختار أن ينسحب.
هل أنقذ الملكية؟ ربما، إلى حد ما. فقد منح ابنه فرصة لإعادة ترتيب البيت الملكي، وإعادة تعريف العلاقة بين التاج والرأي العام. لكنه في الوقت نفسه ترك له إرثاً مسموماً: شبهة دائمة، وحاجة مستمرة لإثبات أن العهد الجديد مختلف جذرياً عن سابقه.
لهذا، فإن التنازل عن العرش في يونيو 2014 لم يكن فعلاً من أفعال العظمة الصافية، ولا مجرد درس في نكران الذات. لقد كان، في جوهره، اعترافاً ضمنياً بأن الرصيد السياسي الذي راكمه خوان كارلوس منذ الانتقال الديمقراطي قد نُضب، وأن الفضائح هزمته أخيراً. لقد كانت هروباً أنيقاً، احتفالياً، مشحوناً بالعاطفة، لكنه يظل هروباً في نهاية المطاف. وأربعة عقود من الإفلات من المساءلة لا تمحوها كلمات قليلة عن «طاقات جديدة» و«أجيال أصغر سناً».