فيليبي السادس في مواجهة الإرث المسموم: حين فرض التاج القطيعة مع الأب (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 24)

14/03/2026 - 17:08
فيليبي السادس في مواجهة الإرث المسموم: حين فرض التاج القطيعة مع الأب (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 24)

شكّل صباح 15 مارس 2020 لحظة فاصلة في تاريخ العائلة الملكية الإسبانية. في ذلك اليوم، دعا فيليبي السادس والده بطلب بدا، في ظاهره، بسيطاً: «من فضلك، تعال لرؤيتي». لكن ما جرى في ذلك المكتب بقصر الثارثويلا لم يكن حديثاً خاصاً بين ابن وأبيه، بل كان أقرب إلى إجراء جراحي دقيق، صُمّم لقطع الصلة السياسية نهائياً بين التاج والملك الفخري. دخل خوان كارلوس الأول إلى المكتب الذي كان مكتبه لما يقرب من أربعين عاماً، المكان الذي وقّع فيه الدستور، واستقبل فيه رؤساء الدول والحكومات، ومارس منه السلطة الرمزية للملكية البرلمانية. غير أن ذلك المكتب لم يعد ملكه. والمشهد الذي جرى هناك مثّل، في الحقيقة، النهاية الحاسمة لعلاقة شخصية كانت تتآكل منذ سنوات تحت وطأة الفضائح.
في مذكراته، يعيد خوان كارلوس الأول بناء ذلك اللقاء بمزيج من الألم والكبرياء الجريح والامتعاض المكتوم. لم تكن المفاجأة الأولى بالنسبة إليه في نبرة فيليبي، بل في حضور خايمي ألفونسين، رئيس الديوان الملكي. كان يتوقع حديثاً حميماً، فإذا به يجد اجتماعاً مؤسساتياً. وقد غيّر هذا الحضور، منذ اللحظة الأولى، معنى اللقاء كله: لم يعد الأمر يتعلق بابن يتحدث إلى أبيه، بل برئيس دولة يخاطب من سبقه إلى رأس المؤسسة. وقد رأى خوان كارلوس في ذلك نوعاً من الكمين. فهو يصف ألفونسين بأنه رجل «جاد ومتقشف»، يحظى بثقة كاملة من فيليبي، لكنه يقدمه أيضاً بوصفه شخصاً راكم سلطة مفرطة داخل البيت الملكي، والأشد إيلاماً بالنسبة إليه، أنه ــ بحسب روايته ــ كان يدفع ابنه إلى الابتعاد عنه.
وليس هذا التفصيل ثانوياً. فمن وجهة نظر الملك الفخري، حوّل ظهور ألفونسين ذلك اللقاء إلى لحظة لا رجعة فيها. لم يعد هناك مجال للعاطفة، ولا للمرونة، ولا حتى لاحتمال التوصل إلى تفاهم عائلي. وما تلا ذلك اتخذ شكل قرار تنفيذي صريح. سلّم فيليبي والده وثيقة كانت قد صيغت مسبقاً. قرأها خوان كارلوس بعناية. وكان النص يتضمن قرارين قاسيين: سحب المخصصات المالية التي كان يتقاضاها بصفته عضواً في العائلة الملكية، وإعلان فيليبي السادس، بموجب إشهاد موثق، تخليه عن أي إرث مالي قد يرثه من والده.
لقد لخّص ذلك المشهد منطق تلك اللحظة التاريخية كلها. فلم يعد في وسع التاج أن يكتفي بالصمت أو ينتظر انقشاع العاصفة. فالكشف عن الثروة الغامضة لخوان كارلوس الأول، والمئة مليون دولار القادمة من الملك عبد الله بن عبد العزيز، والحسابات المصرفية في سويسرا، والتحقيقات المفتوحة داخل إسبانيا وخارجها، وضعت فيليبي السادس أمام خيار مستحيل. كان عليه أن يختار بين حماية الأب أو صون المؤسسة. فاختار المؤسسة.
أما ردّ خوان كارلوس الأول، كما يورده هو نفسه، فقد جاء مقتضباً لكنه بالغ الدلالة. قال لابنه: «هذا الإعلان يعني أنك تجرّدني من أهليتي». وتختزل هذه العبارة شعوره العميق بالإهانة. فهو لا يرى نفسه مجرد رجل جرى إبعاده، بل شخصاً جرى نزع شرعيته، وكأنه يتعرض لمحاكمة أخلاقية من قبل الابن الذي ورث العرش بفضله. ثم سرعان ما أضاف العبارة التي تختصر كل مرارته وكل نظرته التملكية إلى الملكية: « لا تنس أنك ترث نظاماً سياسياً أنا الذي صغته. يمكنك أن تستبعدني شخصياً ومالياً، لكنك لا تستطيع أن ترفض الإرث المؤسسي الذي تستند إليه. ولا يفصل بين الأمرين سوى خطوة واحدة ».
هذا العتاب كاشف لعدة أسباب. أولها أن خوان كارلوس يذكّر فيليبي بأن شرعية الملكية الحالية تستند، إلى حد بعيد، إلى شخصه التاريخي: الانتقال الديمقراطي، دستور 1978، 23 فبراير، وترسيخ النظام البرلماني. وثانيها أن هذه المناشدة تتضمن مطالبة ضمنية بالامتنان، سواء البنوي أو السياسي. إنه آخر أسلحة الأب المُهان: إذا أقصيتني، فأنت تعض اليد التي منحتك التاج. لكن صمت فيليبي، كما يرويه الملك الفخري نفسه، أكثر دلالة من احتجاج الأب. فهو لم يرد، ولم يجادل، ولم يفاوض، بل تمسّك بالقرار فحسب.
عند هذه النقطة تدخّل خايمي ألفونسين، متوجساً من احتمال أن يطلب خوان كارلوس تغيير كلمة واحدة في البيان. وأبلغه بأن نائبة رئيس الحكومة كارمن كالفو شددت على أن الرسالة يجب أن تُنشر كما هي. وكان المعنى واضحاً لا لبس فيه: لا مجال للمراجعة ولا للتفاوض. لقد جعل السياق السياسي من ذلك القرار مطلباً من مطالب الدولة. فحكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي وأونيداس بوديموس، الخاضعة آنذاك لضغط قوي من اليسار الجمهوري ومن القوى الانفصالية، كانت تحتاج إلى فصل واضح ومرئي بين التاج القائم والملك الساقط. وكان فيليبي السادس مستعداً لتقديم هذا الفصل.
وبحسب ما يرويه خوان كارلوس، كان الاجتماع قصيراً، جافاً، يكاد يكون إدارياً. لم تكن هناك مقدمات، ولا جسّ نبض، ولا نقاشات عميقة. وما إن استوعب ما يجري حتى وجد نفسه أمام أمر واقع. فالبيان سيُنشر فوراً. وكان ذلك هو الرد المؤسسي على كشف الهبة السعودية المودعة في حساب سويسري، وعلى فضيحة متصاعدة كانت تهدد بجرّ البيت الملكي كله إلى مستنقعها. وفي العمق، حوّل ذلك النص الرسمي ما كان، حتى ذلك الحين، مجرد شبهة إلى قاعدة معلنة: أن المؤسسة لا يمكنها أن تنجو إلا إذا تركت وراءها، وبشكل صريح، الرجل الذي جسّدها طيلة أربعة عقود.
ومن هنا تظهر القراءة المزدوجة التي تعبر هذا المشهد بأكمله. فخوان كارلوس الأول، بوصفه فاعلاً سياسياً مخضرماً، يفهم عقلياً ما جرى. يدرك أن فيليبي يتصرف كرئيس للدولة. ويعترف بأنه كان مصمماً على الحفاظ على «هالة التاج»، وأن المحيطين به كانوا مقتنعين بأن حماية المؤسسة من الفضيحة التي تسبب هو نفسه فيها لا يمكن أن تتم إلا بهذه الطريقة. بل إنه يذهب إلى حد الإقرار بأنه هو أيضاً، حين كان ملكاً، اضطر في الماضي إلى اتخاذ قرارات مؤلمة ومنافية لمشاعره الشخصية. ومن هذا المنظور، يبدو وكأنه يتفهم موقف ابنه.
لكن بصفته أباً، فالأمر مختلف تماماً. فهو يشعر وكأنه أُلقي خارج النظام الذي ساهم في بنائه. وتغلب على رد فعله نبرة الشفقة على الذات. فيشتكي من أنه «الإسباني الوحيد» الذي لا يتقاضى معاشاً بعد ما يقرب من أربعين عاماً من الخدمة، والذي يُمنع وهو على قيد الحياة من أن يترك إرثاً لابنه ولأحفاده. وتكشف هذه العبارة، بوضوح، إلى أي حد يرى نفسه ضحية. وهو لا يذكر، بالطبع، أن أي مواطن لا يمكنه أن يورّث أبناءه ثروةً غامضة مودعة في ملاذات ضريبية، ولا أن الغالبية الساحقة من الإسبان لم تتلق قط مبالغ بملايين الدولارات من ملوك أجانب. ففي روايته، المشكلة ليست في طبيعة الأموال، بل في العقاب الرمزي الذي تعرّض له.
غير أن أعمق ما في هذا المشهد ليس الألم الشخصي وحده، بل هشاشة « الإرث المؤسسي » الذي يعود إليه خوان كارلوس مرة بعد مرة. فهو يصرّ على أن تاج ابنه يقوم على قاعدة مؤسساتية هو الأب المؤسس لها. ويستشهد حتى بالمادة 57.1 من الدستور، التي تنص على أن تاج إسبانيا وراثي في خلفاء صاحب الجلالة دون خوان كارلوس دي بوربون. وحجته واضحة: الشرعية السلالية للملك الحالي مرتبطة بشخصه هو، لا بتقليد مجرد ومفارق. ومن ثم، فإن استبعاده يعادل، من وجهة نظره، إضعاف أسس المؤسسة ذاتها.
لكن المفارقة هنا صارخة. فقد ساهم خوان كارلوس الأول مساهمة حاسمة في بناء الملكية الدستورية الإسبانية، لكنه كان أيضاً من عرّضها للخطر بفضائحه. واضطر فيليبي السادس إلى الابتعاد عن والده تحديداً لكي ينقذ المؤسسة نفسها التي ساعد الأب في تأسيسها. وبذلك، أرسل إشارة أساسية: أن الملكية الإسبانية يمكنها أن تطمح إلى الاستمرار من دون خوان كارلوس الأول. وأن التاج، إذا أراد أن يظل قابلاً للحياة في القرن الحادي والعشرين، فعليه أن يبرهن أنه أقوى من الفرد الذي جسّده في الماضي. وأنه ليس ملكية خاصة للملك الفخري.
غير أن خوان كارلوس الأول لا يقبل بهذا المنطق. فهو يفسر إقصاءه لا بوصفه إجراءً لحماية المؤسسة، بل باعتباره خطأ استراتيجياً وظلماً شخصياً. وبرأيه، فإن ضربه هو يعني ضرب التاج نفسه. ولا يلبث أن يحمّل اليسار الحاكم جانباً من المسؤولية، متهماً الحكومة بأنها تبتهج بما يجري وتُضعف الدولة عمداً. وفي روايته، يبدو قرار فيليبي محاطاً بضغوط خارجية، كما لو أن الابن تصرف بدافع الامتثال لظرف سياسي معادٍ أكثر مما تصرف انطلاقاً من قناعته الخاصة.
لكن الحاسم كان قد وقع بالفعل. فاجتماع 15 مارس 2020 لم يكن مجرد اللحظة التي نبذ فيها ابنٌ أباه علناً، بل كان اللحظة التي استوعب فيها فيليبي السادس، بكل قسوتها، أن بقاء الملكية رهين بقطع الرابطة السياسية مع خوان كارلوس الأول. لم يكن ذلك فعلاً من أفعال القسوة الخاصة، بل عملية جراحية مؤسساتية. ولهذا بالذات كان مدمراً على المستوى العائلي. لأن فيليبي، وهو ينقذ التاج، كسر شيئاً لم يعد ممكناً إصلاحه.

 

شارك المقال