بعد خمسة وعشرين مقالاً خُصِّصت لتحليل كتاب « المصالحة »، وهو مذكرات الملك الإسباني الفخري خوان كارلوس الأول التي كتبها من منفاه في أبوظبي، يصبح من الصعب تجنب خلاصة واضحة: هذا الكتاب لا يحقق الهدف الذي أعلن عنه. فبدلاً من أن يسهم في مصالحة الملك الفخري مع الإسبان، تنتهي الصفحات الخمسمائة التي يتجاوزها الكتاب إلى تقديم رواية تجمع بين إعادة كتابة التاريخ، والنزعة الدائمة إلى تقديم الذات كضحية، وغيابٍ لافت للنقد الذاتي. والنتيجة هي سردية لا تبدو وكأنها تلتئم بها الجراح، بل على العكس، توحي بأنها تعمّقها.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يطرح خوان كارلوس الأول السؤال الذي يبدو أنه يلخص روح العمل بأكمله:
«هل سيغفر لي الإسبان يوماً زلاتي؟»
يظهر هذا السؤال في لحظة يسعى فيها الكاتب إلى إظهار قدر من الهشاشة الإنسانية. فالملك السابق يعترف بأنه ارتكب أخطاء، ويقرّ بأنه خيّب آمال كثير من الناس. لبضع سطور، يبدو للقارئ أنه أمام لحظة صدق أو اعتراف حقيقي. غير أن هذه اللحظة لا تدوم طويلاً. فسرعان ما تعود التفسيرات التي تتكرر في معظم فصول الكتاب: البيئة المحيطة، رجال الأعمال، الظروف، بل وحتى عدم فهم العصر له. دائماً هناك عامل خارجي يُقدَّم لتخفيف أو تمييع المسؤولية الشخصية.
وهنا تكمن، على الأرجح، المفارقة الأساسية في كتاب «المصالحة». فخوان كارلوس الأول يبدو وكأنه يسعى إلى الصفح دون أن يتحمل بالكامل تبعات قراراته. يريد استعادة الثقة من دون أن يعيد بناء الحقيقة الكاملة لما حدث. ويريد المصالحة مع مجتمع يعترف هو نفسه في الكتاب بأنه يشعر بخيبة أمل عميقة تجاهه.
لكن المصالحة نادراً ما تتحقق بهذه الطريقة. فهي لا تُبنى على تفسيرات ناقصة أو على تقاسم المسؤولية مع أطراف ثانوية كثيرة.
رواية الانتقال الديمقراطي
من أكثر عناصر الكتاب وضوحاً الطريقة التي يعيد بها خوان كارلوس الأول سرد تاريخ الانتقال الديمقراطي في إسبانيا. ففي عدد من الفصول، يقدّم نفسه بوصفه الفاعل الحاسم الذي قاد البلاد من دكتاتورية فرانكو إلى الديمقراطية.
وفي إحدى العبارات الأكثر دلالة في الكتاب يقول:
«لقد غيّرتُ إسبانيا… رغم كل شيء.»
هذه العبارة تختزل رؤية شديدة الشخصية للتاريخ الإسباني الحديث. ففي هذه الرواية، تظهر شخصية الملك بوصفها المحور الذي يدور حوله كل المسار السياسي. أما الشخصيات الأخرى في مرحلة الانتقال — مثل أدولفو سواريث، وتوركواتو فرنانديث ميراندا، وسانتياغو كاريّو، وفيليبي غونثاليث، والأحزاب السرية، والحركات الاجتماعية — فتظهر في مرتبة ثانوية.
غير أن الدراسات التاريخية المعاصرة تصف الانتقال الديمقراطي بأنه عملية جماعية ومعقدة. فقد كان نتيجة مفاوضات سياسية وضغوط اجتماعية واتفاقات مؤسساتية وقرارات استراتيجية اتخذها عدد كبير من الفاعلين. صحيح أن خوان كارلوس الأول لعب دوراً مهماً، لكنه لم يكن المحرك الوحيد للتغيير.
والمفارقة أن الكتاب نفسه يحتوي على لحظات تتناقض فيها هذه الرؤية البطولية مع ما يورده الكاتب. فعندما يعترف الملك بأن أدولفو سواريث كان السياسي الذي أوفى بكل وعوده، فإنه يقر ضمنياً بأن المسار الديمقراطي اعتمد بدرجة كبيرة على قيادة أول رئيس للحكومة في إسبانيا الديمقراطية.
ليلة 23 فبراير
يشكّل سرد أحداث 23 فبراير 1981 نقطة مركزية أخرى في الكتاب. إذ يقدم خوان كارلوس الأول تلك الليلة باعتبارها اللحظة الحاسمة في عهده، اللحظة التي دافع فيها عن الديمقراطية في مواجهة محاولة الانقلاب العسكري.
ويصف تدخله التلفزيوني بأنه العمل الذي أنقذ النظام الدستوري. غير أن الرواية تترك فراغات غير مفسَّرة. فقد مرت عدة ساعات بين اقتحام البرلمان وإلقاء الرسالة التلفزيونية الشهيرة. ولا يقدم الكتاب إعادة بناء مفصلة لما حدث خلال تلك الفترة.
ولهذا السبب، يظل السؤال الذي رافق هذا الحدث طوال عقود قائماً:
هل كان الملك يدافع عن الديمقراطية، أم كان يدافع عن التاج؟
الكتاب لا يقدّم جواباً واضحاً على هذا السؤال.
استراتيجية تقديم الذات كضحية
هناك خيط سردي ثابت يمر عبر معظم صفحات المذكرات: تقديم خوان كارلوس الأول لنفسه في كثير من الأحيان بوصفه ضحية لظروف خارجة عن إرادته.
ففي مواضع مختلفة، يصف نفسه محاطاً برجال أعمال غير موثوقين، ومستشارين سيئي النية، وسياقات سياسية معقدة. ويبدو أن هذه الاستراتيجية السردية تهدف إلى تفسير عدد من الفضائح التي أضرت بصورته العامة.
لكن المشكلة في هذا المنظور أنه يخفف من المسؤولية الشخصية. فخلال ما يقرب من أربعين عاماً، كان الملك إحدى أقوى الشخصيات في الدولة الإسبانية. ومن الصعب قبول فكرة أن شخصاً في مثل هذا الموقع لم يكن قادراً على التمييز بين مستشارين نزيهين وأشخاص يسعون إلى استغلال نفوذه.
منفى أبوظبي
أما منفى أبوظبي فيُقدَّم في الكتاب على أنه نوع من التضحية المؤسسية. إذ يصف خوان كارلوس الأول خروجه من إسبانيا في أغسطس 2020 بأنه قرار اتخذه لحماية التاج.
تُروى الحادثة بنبرة شبه أدبية: خروج صامت، قلب مكسور، قرار مؤلم.
غير أن السياق السياسي كان مختلفاً تماماً. ففي ذلك الوقت كانت هناك تحقيقات قضائية مفتوحة في إسبانيا وسويسرا بشأن شؤونه المالية. كما أن الملك فيليبي السادس كان قد سحب منه مخصصاته المالية وأعلن علناً تخليه عن أي إرث قد يأتي من والده.
لذلك لم يكن خروجه من إسبانيا مجرد خطوة مؤسساتية، بل كان أيضاً نتيجة ضغط سياسي وقضائي متزايد.
ما يغيب عن الكتاب
ما يقوله الكتاب مهم، لكن ما لا يقوله لا يقل أهمية. فالمذكرات تتناول بعض الفضائح التي أنهت عملياً عهد خوان كارلوس الأول، لكنها تفعل ذلك بأسلوب مختصر وملتبس.
فعلى سبيل المثال، تُعرض مسألة المئة مليون دولار القادمة من السعودية في الكتاب على أنها هدية يستحيل رفضها لأسباب ثقافية. لكن النص لا يدخل في تفاصيل السياق أو التداعيات السياسية لهذا التحويل.
أما التسويات الضريبية التي قام بها الملك الفخري مع مصلحة الضرائب الإسبانية، فتُذكر بطريقة عامة، من دون التعمق في حقيقة أنها كانت ثلاث تسويات بلغ مجموعها عدة ملايين من اليوروهات.
وفي ما يتعلق بالعلاقات الشخصية التي شغلت الرأي العام سنوات طويلة، يعتمد الكتاب استراتيجية الصمت أو الإشارة غير المباشرة. بعض العلاقات يُنفى، وبعضها يُقلَّل من أهميته، وبعضها الآخر يُتجنَّب الحديث عنه كلياً.
هذه المجموعة من التفسيرات الجزئية والصمت الانتقائي تعزز الانطباع بأن الهدف ليس إعادة بناء الحقيقة كاملة، بل تقديم نسخة مُتحكَّم فيها من الأحداث.
محاولة غير مكتملة لإعادة كتابة الماضي
في نهاية هذه القراءة النقدية الأولى يتشكل انطباع واضح:
يحاول كتاب «المصالحة» إعادة سرد التاريخ من زاوية بطل القصة نفسه.
لكن التاريخ السياسي لأي بلد لا يمكن أن يكون ملكاً لشخص واحد. فالانتقال الديمقراطي في إسبانيا، وسنوات ترسيخ الديمقراطية، وتطور الملكية الدستورية، كانت كلها عمليات معقدة شارك فيها ملايين المواطنين.
وعندما يحاول الكتاب احتكار هذا السرد، فإنه لا يعزز الصورة التاريخية لخوان كارلوس الأول، بل يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة.
وهذا ربما هو السبب الأول الذي يجعل المصالحة التي يعد بها العنوان تبدو بعيدة المنال.