بعيداً عن الجدل التاريخي، يطرح كتاب «المصالحة» سؤالاً لا مفرّ منه: ما الإرث الحقيقي الذي يتركه خوان كارلوس الأول، وما العواقب التي قد يحملها هذا الإرث على مستقبل الملكية الإسبانية؟
لقد نُظر إلى الملك طوال عقود بوصفه شخصية محورية في بناء الديمقراطية الإسبانية. فقد منحته أدواره خلال السنوات الأولى من مرحلة الانتقال الديمقراطي شرعية سياسية بدت في ذلك الوقت شبه غير قابلة للنقاش.
غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل ابتداءً من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عندما أخذت سلسلة من الفضائح المالية والشخصية تتصدر المجال العام.
فقد شكّل حادث بوتسوانا عام 2012، حين نُقل الملك إلى المستشفى بعد مشاركته في رحلة صيد للفيلة في خضم أزمة اقتصادية خانقة، نقطة تحوّل حاسمة. لقد تحولت تلك الصورة إلى رمز لانفصال عميق بين المؤسسة الملكية ومجتمع كان يمر بواحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.
ومنذ ذلك الحين بدأت تتوالى المعلومات حول حسابات مالية في الخارج، ومؤسسات غامضة، وتحويلات مالية بملايين اليوروهات.
وكانت النتيجة تآكلاً تدريجياً في ثقة الرأي العام.
العائلة كمرآة للأزمة
أحد أكثر الجوانب حساسية في الكتاب هو تأثير هذه الفضائح على العائلة الملكية نفسها.
فخوان كارلوس الأول يصف بألم واضح التباعد الذي نشأ بينه وبين ابنه الملك فيليبي السادس، والقطيعة التي أحدثها قرار الأخير التخلي علناً عن أي إرث قد يأتيه من والده.
كما يشير إلى العلاقة الباردة مع زوجة ابنه، الملكة ليتيثيا، وإلى صعوبة الحفاظ على علاقة منتظمة مع حفيدتيه.
ويعرض الكتاب هذه الوقائع بوصفها نتائج مؤسفة لظروف سياسية معقدة. غير أنه نادراً ما يطرح السؤال الأساسي: كيف وصلت العائلة الملكية إلى هذه النقطة؟
الجواب يبدو واضحاً. فكل فضيحة علنية كانت تضع فيليبي السادس في موقف بالغ الصعوبة. بصفته رئيس الدولة كان عليه حماية المؤسسة، وبصفته ابناً كان عليه مواجهة سلوك والده.
ولذلك لم يكن قرار الابتعاد عن خوان كارلوس الأول مجرد موقف شخصي، بل كان قراراً مؤسساتياً.
لقد أدرك فيليبي السادس أن بقاء الملكية يعتمد على إثبات أن القواعد تنطبق على الجميع دون استثناء.
هل تستطيع الملكية البقاء؟
الأزمة التي فجرتها فضائح الملك الفخري أعادت في إسبانيا نقاشاً كان يبدو مغلقاً منذ مرحلة الانتقال الديمقراطي: النقاش حول شكل الدولة.
فطوال عقود كانت الملكية البرلمانية تُعتبر جزءاً من التوافق الدستوري. غير أن استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد عام 2012 أظهرت تراجعاً ملحوظاً في الدعم الشعبي للمؤسسة، خصوصاً بين الأجيال الشابة.
وقد بدأت أحزاب سياسية وحركات اجتماعية تطرح مجدداً فكرة إجراء استفتاء حول الاختيار بين الملكية والجمهورية.
في مواجهة هذا الوضع، تبنّى فيليبي السادس استراتيجية واضحة: تحديث المؤسسة الملكية، وتعزيز الشفافية، وإظهار مسافة واضحة عن ممارسات الماضي.
وكان إبعاد الملك الفخري عن المناسبات الرسمية والتخلي عن أي إرث مرتبط بأموال غير شفافة جزءاً من هذه الاستراتيجية.
قد تستطيع الملكية الإسبانية الاستمرار، لكن استمرارها مشروط بأمر أساسي: إثبات خضوعها لنفس معايير المسؤولية والشفافية التي تخضع لها أي مؤسسة ديمقراطية أخرى.
ما يكشفه الكتاب من دون قصد
ومن المفارقات أن أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في كتاب «المصالحة» هو ما يكشفه بشكل غير مقصود.
فالكتاب يسمح بملاحظة الصعوبة التي واجهها خوان كارلوس الأول في التكيف مع متطلبات السياسة المعاصرة. فخلال جزء كبير من عهده كانت الملكية تعمل في سياق كان الإعلام والمؤسسات فيه يتجنبان مساءلة رئيس الدولة علناً. لكن هذا السياق تغيّر بشكل عميق.
فالديمقراطيات الحديثة تطالب اليوم بالشفافية والمساءلة والرقابة المؤسسية.
وفي أكثر من موضع في الكتاب يبدو أن خوان كارلوس الأول يعترف بهذه الحقيقة عندما يقول إن العالم اليوم مختلف تماماً عن العالم الذي نشأ فيه.
وربما تكون هذه العبارة من أكثر العبارات صدقاً في الكتاب.
غير أن المشكلة تكمن في أن الكتاب لا يبدو قادراً على استيعاب النتائج الكاملة لهذا التحول.
المعنى الحقيقي للمنفى
ينتهي الكتاب بصورة رمزية: خوان كارلوس الأول في أبوظبي، يستعيد ذكريات إسبانيا ويعيش حالة من الحنين.
إنها صورة يغلب عليها الحزن: ملك مسنّ، بعيد عن بلاده، يتأمل ماضيه.
لكن وراء هذه الصورة تختبئ حقيقة أكثر تعقيداً. فخروج الملك الفخري من إسبانيا لم يكن مجرد حدث شخصي، بل كان أيضاً خطوة سمحت للمؤسسة الملكية ببدء عملية إعادة بناء.
فطالما بقي خوان كارلوس الأول داخل البلاد، كانت كل إطلالة علنية تذكّر بالفضائح التي أضعفت مصداقية المؤسسة.
أما خروجه فقد منح فيليبي السادس فرصة لمحاولة استعادة ثقة الرأي العام.
فشل المصالحة
في النهاية، لا تكمن المشكلة الأساسية في كتاب «المصالحة» في مضمون الذكريات التي يرويها، بل في الطريقة التي يحاول بها تفسيرها.
فالكتاب لا يقدم شرحاً كاملاً للأخطاء التي ارتُكبت، ولا يعرض تأملاً عميقاً في عواقبها.
والمصالحة، بوصفها مفهوماً سياسياً وأخلاقياً، تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية: الحقيقة، وتحمل المسؤولية، والندم الصادق.
أما الكتاب فيقدم ذكريات وتفسيرات وتبريرات، لكنه نادراً ما يقدم اعترافاً واضحاً بالمسؤولية.
ولهذا السبب يبدو أن المصالحة التي يعد بها العنوان تبقى ناقصة.
وهذا الفراغ هو ما يفسر لماذا، حتى بعد أكثر من خمسمائة صفحة من المذكرات، لا تزال أسئلة كثيرة حول عهد خوان كارلوس الأول مفتوحة بلا إجابة.