الكتابة حول الملك: كيف رُويت حياة خوان كارلوس الأول (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 28)

18/03/2026 - 17:00
الكتابة حول الملك: كيف رُويت حياة خوان كارلوس الأول (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 28)

من السرديات التمجيدية إلى النقد القاسي، مروراً بالمذكرات المتنازع عليها والسير التي تعرّضت للرقابة أو التعديل، رُويت حياة الملك الإسباني الفخري خوان كارلوس الأول بطرق متعددة ومتناقضة. يأتي كتاب «المصالحة» بوصفه النسخة الرسمية التي يقدّم فيها الملك روايته الخاصة، وقد كُتب بالتعاون مع الكاتبة الفرنسية لورانس دوبريه. لكن من هي هذه الفرنسية التي رافقت مسار الملك لعقود؟ والأهم من ذلك: كيف يمكن مقارنة هذا الكتاب المصرَّح به مع السير السابقة التي كُتبت عنه، بعضها متعاطف إلى حد كبير، وبعضها الآخر شديد النقد بل ومدمّر في أحكامه؟
قبل أن يقرر خوان كارلوس الأول أن يروي حياته بنفسه من منفاه في أبوظبي، كان آخرون قد كتبوا عنه بالفعل. بعضهم فعل ذلك بتشجيع ضمني منه، وآخرون دون رضاه. لكن جميعهم حاولوا فكّ لغز الرجل الذي يقف خلف التاج. ولهذا فإن كتاب «المصالحة» ليس أول كتاب عن الملك الفخري، ولا حتى أول عمل كُتب بتعاونه. ما يجعله مختلفاً هو أنه ظهر في لحظة يبدو فيها أن خوان كارلوس الأول لم يعد يملك الكثير ليخسره، لكنه ما يزال يملك الكثير ليبرّره.
ولفهم ما يضيفه هذا العمل حقاً، لا بد من وضعه ضمن المكتبة الواسعة التي كُتبت بالفعل حول شخصية خوان كارلوس الأول.
لورانس دوبريه: كاتبة السيرة الرسمية
الاسم الذي يظهر إلى جانب خوان كارلوس الأول على غلاف الكتاب هو اسم لورانس دوبريه، الصحافية والمؤرخة الفرنسية التي تابعت مسيرة الملك منذ سنوات طويلة. ليست دوبريه غريبة عن هذا المجال؛ فقد نشرت سابقاً كتابين عنه: «أنا، خوان كارلوس الأول، ملك إسبانيا» و**«ملكي الساقط»**.
في عام 2014، عندما كان الملك على وشك التنازل عن العرش، أجرت دوبريه معه مقابلة مطوّلة ضمن فيلم وثائقي عُرض في فرنسا، ولم يُعرض في إسبانيا إلا بعد سنوات. ومنذ ذلك الحين، واصلت التواصل معه ومتابعة ما تصفه هي نفسها بـ«المنعطفات الدرامية في مصيره».
عندما يصف الكتاب عملية كتابة المذكرات، تظهر صور تجمع بين دوبريه وخوان كارلوس وهما يعملان معاً في أبوظبي. ويشير الملك إليها في النص بوصفها «صديقتي وكاتبة سيرتي»، ما يوحي بعلاقة تتجاوز مجرد التعاون المهني.
كانت دوبريه أيضاً الوسيط الذي مكّن طالباً من مدينة إشبيلية من إجراء مقابلة مع الملك حول معرض إشبيلية العالمي عام 1992 لأغراض بحثه الجامعي. كما تظهر في أرصدة الصور التي توثق ما يسميه البعض «المنفى الذهبي» في أبوظبي. وكانت حاضرة أيضاً في حفل تقديم الكتاب في مدريد إلى جانب الأميرة إيلينا، في حين لم يتمكن خوان كارلوس نفسه من الحضور.
في تلك المناسبة قالت دوبريه:
«لا تهمني الانتقادات، لأن هذه هي حياة دون خوان كارلوس، وقد كنت محظوظة لأن أكون شاهدة عليها. إنه رجل أكنّ له الإعجاب والتقدير الكبيرين».
تلخص هذه العبارة روح الكتاب. فهو ليس سيرة نقدية، بل عمل يحمل نبرة إعجاب واضحة كتبه شخص اختار منذ سنوات أن يجعل من الملك موضوعاً لدراسته، وظل متمسكاً بهذا الموقف حتى في أكثر اللحظات صعوبة.
والنتيجة نصّ هجين: الكلمات منسوبة إلى خوان كارلوس، لكنها تمرّ عبر قلم دوبريه التي قامت بتنظيم المادة وإعطائها شكلاً سردياً متماسكاً. والكتاب نفسه يعترف بذلك عندما يشير إلى أنه كُتب «في إطار عملية كتابة ومراجعة المذكرات بالتعاون مع لورانس دوبريه».
بول بريستون: المؤرخ البريطاني المرجعي
لعدة سنوات اعتُبرت السيرة الأكثر مرجعية عن خوان كارلوس الأول هي تلك التي كتبها المؤرخ البريطاني بول بريستون تحت عنوان «خوان كارلوس: ملك شعب». نُشر الكتاب لأول مرة عام 2004 وأُعيد تحديثه عدة مرات، آخرها في 2023 بعد الفضائح التي هزّت صورة الملك ومنفاه.
يُعد بريستون أحد أبرز المتخصصين في تاريخ إسبانيا، وأستاذاً فخرياً للتاريخ الدولي في مدرسة لندن للاقتصاد، كما ألّف أعمالاً مرجعية عن فرانكو والحرب الأهلية الإسبانية.
منهجه مختلف تماماً عن منهج دوبريه. فهو يحاول الإجابة عن سؤالين أساسيين:
لماذا سلّم والد خوان كارلوس ابنه إلى نظام فرانكو عندما كان مراهقاً؟ وكيف تحول أمير تربّى في ظل الديكتاتورية إلى ملك مرتبط بمشروع ديمقراطي؟
يرى بريستون أن شعور خوان كارلوس المبكر بالهجر العائلي ربما كان عاملاً نفسياً ساهم لاحقاً في ميله إلى المغامرات الشخصية والمالية التي أدت في النهاية إلى سقوط صورته.
ولا يخفي بريستون الجوانب المظلمة: فهو يتحدث عن حادث وفاة أخيه ألفونسو، وعن التوترات مع والده دون خوان، وعن التربية القاسية التي تلقاها. لكنه يعترف أيضاً بدور الملك في مرحلة الانتقال الديمقراطي.
بهذا المعنى، يحاول بريستون تقديم سيرة متوازنة. وقد وصفتها الصحافة بأنها «عمل رائع» و«قراءة أساسية لفهم تاريخ إسبانيا المعاصر».
المقارنة مع «المصالحة» واضحة:
حيث يحلل بريستون، يبرّر خوان كارلوس.
وحيث يضع بريستون الأحداث في سياقها، يميل خوان كارلوس إلى تقديم نفسه كضحية.
بالاثيوس وباين: السيرة الأكثر إزعاجاً
أما السيرة الأكثر إثارة للجدل فهي كتاب «خوان كارلوس الأول: صناعة ملك (1938-1981)» الذي نشره المؤرخان خيسوس بالاثيوس وستانلي باين عام 2025.
اعتمد المؤلفان على وثائق أمريكية رفعت عنها السرية، ومصادر أرشيفية إسبانية، وشهادات شخصيات كانت قريبة من الملك.
وتتضمن نتائجهم أحكاماً قاسية. إذ تشير بعض الوثائق إلى أن هنري كيسنجر كان ينظر إلى خوان كارلوس باعتباره شخصاً كثير الكلام لكنه يفتقر إلى القيادة.
كما تصف تقارير تربوية الأمير الشاب بأنه متقلب، متعجرف، وضعيف التحصيل الدراسي.
أما أطروحتهم الأكثر إثارة فهي أن أحداث 23 فبراير 1981 ربما لم تكن ممكنة دون علم الملك، وأن الجنرال أرمادا كان يسعى إلى تشكيل حكومة بدعم ضمني منه.
إنها قراءة تختلف جذرياً عن الرواية التي يقدمها خوان كارلوس عن نفسه في كتاب «المصالحة».
بيالونغا: المذكرات الخائنة
هناك أيضاً كتاب آخر مهم، رغم صعوبة العثور عليه اليوم، وهو المذكرات التي نشرها الكاتب الأرستقراطي خوسيه لويس دي بيلالونغا في التسعينيات بعد سنوات من الحوارات مع الملك.
لم يوافق خوان كارلوس رسمياً على نشرها، لكن بيلالونغا قرر إصدارها على أي حال. كانت مذكرات بضمير المتكلم مبنية على أحاديث خاصة جمعته بالملك.
عند صدور «المصالحة»، أُعلن عن إعادة نشر تلك المذكرات، مما يخلق مقارنة مثيرة بين ما قاله الملك في جلسات خاصة سابقاً وما يقرره الآن أن يقوله رسمياً من منفاه.
بيلار إيرّي: الصحافية التي لا ترحم
لا يمكن الحديث عن الكتب التي تناولت حياة خوان كارلوس دون ذكر الصحافية بيلار إيرّي، المتخصصة في شؤون العائلة المالكة.
في كتابها «أنا الملك» تتساءل عمّا إذا كان كل ما حدث نتيجة المال أو الحب أو الغرور أو اللامبالاة. وتستعرض طفولته، وحادث وفاة أخيه، وزواجه من الملكة صوفيا التي تقول إنه لم يحبها قط.
أما كتابها «وحدة الملكة» فيركز على حياة صوفيا، مقدماً الرواية من وجهة نظر مختلفة.
ورغم أن إيرّي ليست مؤرخة أكاديمية، فإن كتبها حققت مبيعات ضخمة، لأن الجمهور غالباً ما يبحث عن التفاصيل الشخصية بقدر ما يبحث عن التحليل التاريخي.
تناقضات واضحة
عندما نضع كتاب «المصالحة» إلى جانب هذه الأعمال الأخرى، تتضح الفوارق بسرعة.
إنه الكتاب الوحيد الذي يسيطر فيه خوان كارلوس على الرواية بالكامل. فالمؤرخون يمكنهم تحليل الأحداث، والصحافيون يمكنهم كشف الوثائق، لكن في «المصالحة» يقول الملك ما يريد قوله دون معارضة.
لكن هذه الميزة هي أيضاً نقطة ضعفه الكبرى. فحين يتحكم صاحب القصة في كل تفاصيلها، تصبح المصداقية موضع شك.
نوع أدبي جديد: السيرة الذاتية التمجيدية
يمكن القول إن «المصالحة» يفتح باب نوع جديد من الكتابة: السيرة الذاتية التمجيدية.
ليس سيرة ذاتية خالصة، لأنه كُتب بالتعاون مع دوبريه، وليس سيرة موضوعية أيضاً لأن بطلها يتحكم في كل كلمة.
إنه نص يروي فيه الملك نفسه كما كان يريد دائماً أن يُروى: بطلاً misunderstood، لا شخصية تاريخية معقدة.
ورغم كل ذلك، سيظل الكتاب وثيقة مهمة، لأنه يكشف كيف أراد خوان كارلوس الأول أن يُتذكَّر.
قد لا تكون هذه الكلمة الأخيرة عن عهده، لكنها بالتأكيد كلمته الأخيرة.

 

شارك المقال