حكم التاريخ: كيف يقيّم المؤرخون إرث خوان كارلوس الأول (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 29)

19/03/2026 - 17:15
حكم التاريخ: كيف يقيّم المؤرخون إرث خوان كارلوس الأول (مذكرات خوان كارلوس-الحلقة 29)

بينما يكتب خوان كارلوس الأول من منفاه في أبوظبي أنه «غيّر إسبانيا»، يقدم مؤرخون كرّسوا عقوداً لدراسة مرحلة الانتقال الديمقراطي الإسباني تقييماً أكثر تعقيداً ودقّة. فبين السرديات التمجيدية التي رافقت السنوات الأولى من حكمه، والانتقادات الحادة التي ظهرت لاحقاً، تحاول الأوساط الأكاديمية اليوم إصدار حكم تاريخي متوازن على أطول عهد ملكي في إسبانيا الديمقراطية.
هذا الحكم ليس بسيطاً. فوفقاً لكثير من الباحثين، كان خوان كارلوس الأول شخصية مهمة، لكنه لم يكن حاسماً بشكل مطلق؛ كان مفيداً في مرحلة معينة، لكنه لم يكن بطلاً أسطورياً كما صوّرته بعض الروايات. كما أن تراجع صورته في السنوات الأخيرة ألقى بظلال ثقيلة على إرث كان يمكن أن يكون أكثر تأثيراً في تاريخ البلاد.
التاريخ لا يُكتب في اللحظة
التاريخ لا يُكتب في لحظة الحدث، بل يُكتب مع مرور الزمن، عندما تتوفر الوثائق وتُفتح الأرشيفات وتُقارن الشهادات المختلفة. وبعد مرور خمسين عاماً على إعلان خوان كارلوس ملكاً لإسبانيا، وأكثر من عقد على تنازله عن العرش، أصبح المؤرخون الذين كرّسوا حياتهم لدراسة الانتقال الديمقراطي الإسباني في موقع يسمح لهم بتقديم تقييم أكاديمي لحكمه.
هذا التقييم يختلف كثيراً عن الرواية البطولية التي يقدمها الملك الفخري عن نفسه في كتاب «المصالحة». فالصورة التي يرسمها المؤرخون أكثر تعقيداً وتناقضاً.
خوسيه ماريا دي أرييلثا: الاعتراف بالدور المؤسسي
في يونيو 2014، بعد أيام قليلة من إعلان خوان كارلوس تنازله عن العرش، قدم خوسيه ماريا دي أرييلثا، أستاذ القانون في كلية ESADE ورئيس كرسي جان مونيه، أحد أكثر التقييمات توازناً من داخل الأوساط الأكاديمية القريبة من المؤسسة الملكية.
في تحليله، أقرّ أرييلثا بأن مساهمة خوان كارلوس الأول في التطور الديمقراطي لإسبانيا كانت «كبيرة للغاية». ويرى أن الملك لعب في البداية دور محرك التغيير، ثم أصبح لاحقاً ملكاً دستورياً يمتلك قدرة شخصية على دعم مشروع إسبانيا الحديثة.
لكن حتى هذا التقييم الإيجابي يضع إنجازاته في إطار الظروف التاريخية. فحسب أرييلثا، تبدو شخصية الملك أكثر أهمية إذا أخذنا في الاعتبار أنه وُلد في المنفى ووصل إلى إسبانيا في سن العاشرة «في ظروف غير مستقرة ومن دون أسرته، ليتلقى تعليمه بوصفه أميراً إسبانياً». وقد واجهت عائلته صعوبات كبيرة لاستعادة العرش.
إذن فالتقييم هنا إيجابي، لكنه لا يصوّر خوان كارلوس عبقرياً سياسياً، بل رجلاً استطاع الاستفادة من لحظة تاريخية معقدة. ويشير أرييلثا أيضاً إلى أن الملك قاد «مرحلة انتقالية نموذجية في كثير من الجوانب»، وأنه لعب دوراً حاسماً في إيقاف محاولة الانقلاب عام 1981، ما جعله في نظر كثيرين «بطلاً وطنياً».
لكن المؤرخ نفسه أشار منذ عام 2014 إلى أن هذا البطل انتهى به الأمر «موضع انتقاد شديد». وبعد مرور عقد من الزمن، ومع صدور كتاب «المصالحة»، يبدو أن هذا التقييم أصبح أكثر وضوحاً.
بول بريستون: المؤرخ الأكثر تأثيراً
ربما تكون السيرة التي تركت أثراً أكاديمياً أكبر هي تلك التي كتبها المؤرخ البريطاني بول بريستون، أستاذ التاريخ الدولي الفخري في كلية لندن للاقتصاد.
كتابه «خوان كارلوس الأول: ملك شعب»، الذي نُشر لأول مرة عام 2004 وأعيد تحديثه عدة مرات حتى عام 2023، يمثل محاولة جادة لفهم لغزين أساسيين في حياة الملك:
لماذا سلّمه والده إلى نظام فرانكو عندما كان مراهقاً؟
وكيف أصبح أمير تربّى في ظل الديكتاتورية مدافعاً عن الديمقراطية؟
يقدم بريستون تفسيراً يجمع بين التحليل النفسي والتاريخي. فهو يرى أن شعور خوان كارلوس بالهجر في طفولته ربما كان عاملاً ساهم لاحقاً في سلوكه الشخصي، بما في ذلك المغامرات العاطفية والمالية التي أثرت على سمعته.
لكن بريستون لا يقلل من دور الملك في مرحلة الانتقال الديمقراطي. فهو يشير إلى لحظات حاسمة تدخل فيها الملك، مثل تعيين أدولفو سواريث رئيساً للحكومة، وإلقاء خطاب ليلة 23 فبراير، وقدرته على طمأنة المؤسسة العسكرية.
مع ذلك، فإن النسخة المحدثة من الكتاب بعد الفضائح المالية والمنفى أصبحت أكثر نقداً. فقد وثّق بريستون العلاقات المالية غير الشفافة، وسلسلة العلاقات العاطفية، وتدهور صورة ملك خلط بين الامتياز الشخصي والمسؤولية المؤسسية.
ويخلص بريستون إلى تقييم معبّر:
لقد كان خوان كارلوس رجلاً استطاع أن يكسب لقب «ملك جميع الإسبان» ثم يفقده لاحقاً.
إنه تقييم متوازن: لا تمجيد مطلق ولا هدم كامل، بل قراءة تاريخية دقيقة.
خيسوس بالاثيوس: النقد الحاد
على الطرف الآخر من الطيف الأكاديمي يقف المؤرخ خيسوس بالاثيوس، الذي شارك مع ستانلي باين في كتابة السيرة المثيرة للجدل «خوان كارلوس الأول: صناعة ملك (1938–1981)» الصادرة عام 2025.
لا يخفي بالاثيوس شكوكه في إرث الملك. فهو يرى أن الانتقال الديمقراطي كان «عملية سطحية ومرتجلة». وبحسب رأيه، لم يجلب خوان كارلوس نظاماً ديمقراطياً مستقراً، بل «نظاماً سياسياً متعدد الأحزاب تطور لاحقاً إلى نظام فاسد».
إنها قراءة تتجاوز نقد شخصية الملك لتصل إلى نقد نموذج الانتقال الديمقراطي نفسه.
وتشير الوثائق التي يستند إليها المؤلفان إلى أن وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر كان يشك في قدرات الأمير الشاب، إذ وصفه بأنه شخص كثير الكلام لكنه يفتقر إلى الصلابة السياسية.
كما يشكك بالاثيوس في الرواية الرسمية لأحداث 23 فبراير، ويطرح فرضية أن الملك ربما كان على علم مسبق ببعض تحركات الانقلابيين. ورغم أن هذه الفرضية لا تحظى بإجماع المؤرخين، فإنها تعكس حجم إعادة التقييم النقدي لشخصية الملك.
رؤية من كتالونيا
من كتالونيا يقدم المؤرخ بورخا دي ريكر، الأستاذ الفخري في جامعة برشلونة المستقلة، قراءة مختلفة. فهو يرى أن خوان كارلوس لم يلعب دوراً مهماً في العلاقة مع كتالونيا، وأن أولويته بعد وفاة فرانكو كانت إنقاذ الملكية أكثر من بناء الديمقراطية.
وبحسب هذا التفسير، لم يكن الملك محرك التغيير، بل كان ضمانة للاستمرارية بالنسبة للتيار الفرنكوي. وعندما أدرك أن حكومة كارلوس أرياس نافارو وصلت إلى طريق مسدود، دعم اختيار أدولفو سواريث.
وتذهب المؤرخة آنا سالّيس إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن النظام السياسي الذي نشأ بعد الانتقال حافظ على كثير من آليات النظام القديم، وأن الفساد الذي ظهر لاحقاً له جذور في تلك المرحلة.
إرث معقّد
إذا كان هناك إجماع بين المؤرخين الجادين، فهو أن إرث خوان كارلوس الأول معقّد ومتناقض.
فمن جهة، هناك إنجازات لا يمكن إنكارها:
لم يحاول استمرار الديكتاتورية، دعم الإصلاحات السياسية، ساعد على ضبط المؤسسة العسكرية، وأضفى شرعية على العملية الدستورية.
ومن جهة أخرى، هناك إخفاقات واضحة:
العلاقات المالية غير الشفافة، الفضائح الشخصية، التساهل مع الفساد داخل محيطه، وأخيراً خروجه من البلاد تحت ضغط الفضائح.
إن تقييم إرثه يعتمد إلى حد كبير على الفترة التي ننظر إليها. فإذا ركزنا على السنوات الأولى بعد 1975، يبدو الدور إيجابياً. أما إذا شملنا العقود اللاحقة حتى تنازله عن العرش ومنفاه، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً.
منظور الزمن
لن يغيّر صدور كتاب «المصالحة» حكم المؤرخين. فالأكاديميون سيواصلون عملهم اعتماداً على الوثائق والشهادات والأرشيفات. ستظل رواية خوان كارلوس عن نفسه مجرد مصدر إضافي من بين مصادر عديدة.
بل إن الكتاب قد يضر بإرثه، لأن تقديم نفسه كبطل مطلق يجعل نزعة تمجيد الذات أكثر وضوحاً.
ربما سيخلص مؤرخو المستقبل، عندما تتاح لهم الوثائق كاملة ويصبح الحدث أكثر بعداً في الزمن، إلى أن خوان كارلوس الأول كان شخصية مهمة في تاريخ إسبانيا، لكنه لم يكن العامل الحاسم الوحيد.
كان في المكان المناسب في لحظة تاريخية حاسمة، وامتلك الذكاء الكافي لعدم عرقلة مسار كان يبدو حتمياً.
لكن عدم قدرته على التمييز بين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية، وبين المؤسسة والفرد، وبين الامتياز والمسؤولية أدى في النهاية إلى تلويث إرث كان يمكن أن يكون أعظم بكثير.
وهذا، أكثر من أي كتاب مذكرات، قد يكون الحكم النهائي الذي سيصدره التاريخ.

 

شارك المقال