كشفت معطيات صادرة عن دراسة جديدة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي »، اعتمادًا على نتائج دراسة TALIS 2024، أن التوتر المهني لدى الأساتذة المغاربة يرتبط بشكل وثيق بوتيرة الإصلاحات التعليمية المتلاحقة وكيفية تنزيلها، أكثر من ارتباطه بنقص الموارد في حد ذاته.
وأبرز الدراسة أن التغييرات المستمرة في البرامج والمناهج الدراسية تفرض ضغطًا متزايدًا على المدرسين، خاصة عندما تتم دون توفير الدعم الكافي أو الموارد الضرورية لمواكبتها. ووفق نموذج “متطلبات العمل-الموارد”، فإن هذا الخلل بين ارتفاع المتطلبات وضعف الإمكانيات يولد حالة من الإرهاق المهني والتوتر المستمر، مما يؤثر على جودة الأداء التربوي وعلى الصحة النفسية للأساتذة.
وفي السياق المغربي، أظهرت النتائج أن نسبة مهمة من الأساتذة تعتبر تتبع تغييرات المناهج أحد أبرز مصادر الضغط، حيث تصل هذه النسبة إلى 54% في التعليم الابتدائي و42% في التعليم الإعدادي، وهي مستويات تفوق المتوسطات الدولية في عدد من الحالات. ويعكس ذلك الأثر المباشر للإصلاحات على الممارسة اليومية داخل الفصول الدراسية.
كما سجل التقرير أن التوتر لا يرتبط فقط بوجود الإصلاحات، بل أساسًا بكيفية عيشها من طرف الأساتذة، إذ إن كثافة التغييرات وتواترها، إلى جانب تأثيرها المباشر على طرق التدريس، تجعلها أكثر إرهاقًا من مجرد التوجيهات الصادرة عن السلطات التربوية. وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن أقل من خمس الأساتذة (حوالي 16% في الابتدائي و17% في الإعدادي) يعتبرون أن مجرد متابعة التعليمات الرسمية يشكل مصدر توتر، ما يدل على أن الإشكال يكمن في التطبيق العملي للإصلاحات وليس في مبدئها.
ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة أن نقص الأساتذة المتخصصين في التعامل مع التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة يعد عاملًا إضافيًا يزيد من حدة التوتر، حيث ترتفع احتمالية الشعور بضغط مرتفع لدى الأساتذة العاملين في مؤسسات تعاني هذا النقص بنحو 49% مقارنة بغيرهم.
وسجل التقرير أيضًا تفاوتًا في الإحساس بالتوتر بين الأساتذة حسب الخبرة المهنية، إذ يميل الأساتذة الأكثر تجربة إلى الإحساس بضغط أكبر، وهو ما يعزى إلى تراكم آثار الإصلاحات المتعاقبة وصعوبة التكيف المستمر مع متطلبات جديدة.
وخلصت نتائج الدراسة إلى أن التوتر المهني في قطاع التعليم بالمغرب لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين وتيرة الإصلاحات، وطبيعة تنزيلها، ومستوى الدعم المؤسساتي المتوفر. وأكد التقرير أن معالجة هذه الظاهرة تقتضي اعتماد مقاربة شمولية تراعي البعد النفسي للأساتذة، وتضمن توفير الموارد البشرية والدعم الكافي لمواكبة التحولات التي يعرفها النظام التعليمي.