استنبات الشعير في المغرب.. الابتكار الفلاحي يقود تربية الماشية نحو الاستدامة ويعزز السيادة الغذائية

25/03/2026 - 11:00
استنبات الشعير في المغرب.. الابتكار الفلاحي يقود تربية الماشية نحو الاستدامة ويعزز السيادة الغذائية

في صباح يوم ربيعي مشمس، يفتح عبد القادر باب غرفة صغيرة مجاورة لضيعتِه، بدوار الصفصفات بجماعة تدارت التابعة لإقليم جرسيف. لا رائحة للتبن اليابس، ولا غبار للأعلاف المركبة، فقط صفوف من الصواني المعدنية، يغطيها علف أخضر طري نبت خلال أسبوع.

“هذا شعير”، يضيف مبتسمًا، “لكن ليس الذي تعرفه ».

لم يكن قرار عبد القادر سعود بالاستثمار في استنبات الشعير وليد الصدفة، بل جاء بعد سنوات من المعاناة مع تقلبات السوق وضغط تكاليف الأعلاف؛ فكلما توالت سنوات الجفاف، ارتفعت كلفة الأعلاف بشكل مُرهق. واليوم، وبعد أن ورث مهنة تربية الماشية عن أجداده، يحاول أن يصنع جزءًا من علف القطيع بنفسه، داخل وحدة لاستنبات الشعير تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 56 مترًا مربعًا.

من الفكرة إلى التجربة

قبل نحو عقد من الزمن، أسس عبد القادر تعاونية فلاحية تحمل اسم « إمزاغن مغران »، يحكي لـ »اليوم 24 ». وفي نهاية أبريل 2018، قادته زيارة إلى المعرض الدولي للفلاحة في مكناس، في دورته الثالثة عشرة، لاستكشاف تقنية استنبات الشعير.

يمضي المتحدث قائلاً: « مباشرة بعد عودتي من زيارة المعرض الدولي للفلاحة لسنة 2018، شرعت في القيام بتجارب بسيطة في منزلي الذي يبعد بنحو 25 كلم عن مدينة جرسيف. استعملت أواني المطبخ للقيام بعملية استنبات الشعير، وكانت النتائج مبهرة بالنسبة لفلاح يعاني من غلاء أسعار الأعلاف وقلتها مع توالي سنوات الجفاف ».

البحث عن التمويل

كان عبد القادر يدرك أن المشروع أكبر بكثير من إمكانياته المالية، لكنه كان متيقنًا بأن « همم الرجال تزيل الجبال ». فشرع في البحث عن موارد مالية لتنفيذ المشروع، وتقدم بطلب إلى وكالة التنمية الفلاحية، تم قبوله سنة 2024، يضيف قائلاً: « طلبوا منا توفير الوعاء العقاري للمشروع ».

تكاثفت الجهود داخل التعاونية، فوضع أحد الأعضاء قطعة أرض بمساحة 18 على 11 مترًا تحت تصرف التعاونية، وتم تسجيل شهادة الاستغلال باسمها. يقول عبد القادر: « كنا نؤسس لاستثمار جماعي، وليس فقط مشروعًا فرديًا ».

انطلاق الوحدة

في 15 نونبر 2024، فتحت الوحدة أبوابها رسميا، خلال الأشهر الثلاثة الأولى، اقتصر توزيع الإنتاج على أعضاء التعاونية، وكانت لنا تجربة أولية على قطيع في ملكية التعاونية، يتوقف عبد القادر قليلا، ثم يقول، « كنا نريد أن نرى ماذا سيتغير فعلاً.. كانت النتائج مشجعة: ارتفع إنتاج الحليب، وتحسنت خصوبة الماشية بشكل ملحوظ ».

اليوم، لم تعد الوحدة تحقق الاكتفاء الذاتي لأعضائها فقط، بل تحولت إلى مصدر تزويد لعدد من الفلاحين في المنطقة. يوضح رئيس التعاونية: « نحن الآن نوزع على الناس، خصوصًا في فترات الطلب المرتفع، مثل الصيف أو قبل عيد الأضحى، وبعض الزبناء يقتنون العلف بشكل موسمي، بينما يعتمد عليه آخرون طيلة السنة، خاصة ممن لا يتوفرون على أراضٍ زراعية ».

الإنتاج والكلفة والأثر

يستغرق إنتاج العلف الأخضر سبعة أيام فقط، والثمن يبقى منخفضًا مقارنة بالتبن أو النخالة، لكن القيمة الغذائية أكبر بكثير. وبلغة الأرقام، يشرح عبد القادر: « نزرع في البلاطو الواحد حوالي 2 كيلوغرام من الحبوب، يكلف حوالي 8 دراهم، ويمكن أن يعطي حتى 22 كيلوغرامًا من العلف الأخضر. وبعد احتساب جميع المصاريف، من ماء وأجور العمال وكلفة الحبوب، تصل كلفة الإنتاج إلى حوالي 0.7 درهم للكيلوغرام، بهامش ربح صافٍ يقارب 0.3 درهم ».

تستهلك الوحدة حوالي طنين من الماء يوميًا، تشمل الإنتاج وعمليات التنظيف، وهي مزودة بنظام للطاقة الشمسية، ما يقلص كلفة الطاقة ويعزز استدامة المشروع، وفق عبد القادر، مؤكداً أن « الميزة الأساسية هنا أننا نتحكم في ظروف الإنتاج، خصوصًا الحرارة، عكس الزراعة التقليدية التي تبقى رهينة التقلبات المناخية ».

تمتد الوحدة على مساحة إجمالية قدرها 18 على 11 مترًا، منها جزء مبني في حدود 14 على 4 أمتار، وتصل طاقتها الإنتاجية إلى حوالي طن و160 كيلوغرامًا يوميًا. أما من حيث الاستثمار، فقد بلغت الكلفة الإجمالية نحو 250 مليون سنتيم، موّلتها بشكل كامل وكالة التنمية الفلاحية، بينما وفرت التعاونية الأرض، إلى جانب تجهيزات إضافية كمنصة بتكلفة 60 ألف درهم وسياج بحوالي 9000 درهم.

ويُسوَّق المنتوج بسعر يقارب درهمًا واحدًا للكيلوغرام، مع خدمة التوصيل في حدود 12 كيلومترًا، ما جعله في متناول فلاحين صغار يبحثون عن بدائل أقل كلفة وأكثر مردودية، وفق رئيس التعاونية.

لكن الأثر، كما يؤكد عبد القادر، لم يكن اقتصاديًا فقط، يبتسم مستدركا: « حتى نمط العيش تغير.. لم نعد رهائن للسوق كما في السابق ».

العلف الأخضر: كيف يُنتج؟

تعتمد تقنية استنبات الشعير على فكرة بسيطة في ظاهرها: إنبات حبوب الشعير في بيئة محكمة، دون تربة، مع تحكم دقيق في الرطوبة والحرارة.

فخلال سبعة أيام تقريبًا، تتحول الحبة الجافة إلى بساط أخضر غني يُقدَّم للماشية مباشرة، وفق شرح أحمد بها، الخبير والمدير التقني لشركة متخصصة في وحدات الشعير المستنبت، مؤكِّدًا أن “القيمة المضافة تكمن في انتظام الإنتاج وجودته، خاصة في فترات الخصاص، مع استهلاك محدود للماء مقارنة بالزراعات العلفية التقليدية ».

يقودنا أحمد بها في جولة ميدانية داخل وحدة لاستنبات الشعير الأخضر بالجهة الشرقية، حيث تنفتح أبواب الوحدة المغطاة، التي تشبه في تصميمها مختبرًا زراعيًا أكثر من كونها إسطبلًا تقليديًا. هنا، لا يُزرع الشعير في التربة، بل “يُربّى” في بيئة محكمة، بين الرفوف المعدنية والصواني المتراصة، في نظام إنتاجي دقيق يختصر الزمن ويعيد تعريف العلف الحيواني.

يقول بها واثقًا: “نحن لا نزرع فقط، بل نعيد تفعيل الحياة داخل الحبة نفسها”، مشيرًا إلى صوانٍ خضراء كثيفة، حيث تنمو براعم الشعير في صفوف منتظمة، مضيفًا: “خلال سبعة إلى ثمانية أيام فقط، ننتقل من حبة جافة إلى علف أخضر عالي القيمة الغذائية ».

في أحد الأروقة، تتدلى أنابيب الرشّ بدقة، لترطب الحبوب وفق برنامج مضبوط. يشرح المدير التقني: “العملية تقوم على شروط أساسية: رطوبة، تهوية، وحرارة مناسبة، وعندما تصل نسبة الماء إلى مستوى معين، يبدأ الجنين داخل الحبة في النشاط، وتتحول النشويات المعقدة إلى سكريات سهلة الهضم ».

يتوقف بها قليلًا، ثم يسترسل قائلًا: “يمكننا اعتبارها عملية طحن بيولوجي طبيعي، لكن دون فقدان القيمة الغذائية ».

في زاوية أخرى، يعرض بها لوحة بيانية تقارن بين الشعير الجاف والعلف المستنبت، ويشير بأصبعه قائلًا: “الهضم يرتفع من حوالي 40% إلى أكثر من 80%، بينما تتضاعف نسب الفيتامينات والعناصر المعدنية، وهذا بالضبط ما يجعل الحيوانات تُقبل على الشعير المستنبت بشهية أكبر، ويستفيد جسمها منه بسرعة”.

نواصل الجولة نحو قسم الإنتاج، حيث تتراص الصواني في طوابق متعددة. يوضح المدير التقني: “نظام الصواني هو الأكثر اعتمادًا، لأنه مرن، سهل التركيب، ويعطي إنتاجًا قد يصل إلى 12 كيلوغرامًا لكل متر مربع يوميًا، كما أنه يستهلك ماءً أقل بكثير مقارنة بالزراعة التقليدية، ويقلل الحاجة إلى اليد العاملة ».

خارج الوحدة، حيث الأبقار في حظيرتها، يُقدَّم العلف الأخضر الطازج. يعلّق أحمد بها: “هذا العلف يحسن صحة الحيوان، يقلل الأمراض، ويرفع الإنتاج، سواء في الحليب أو اللحم”.

ويضيف قائلًا: “في تسمين العجول مثلًا، نلاحظ جودة أعلى في اللحم، ونسبة نفوق أقل. أما في الأبقار الحلوب، فالإنتاج يرتفع بشكل ملحوظ مع تحسن الخصوبة”.

ولا يقتصر الأمر على الأبقار، بل يشمل الأغنام والماعز وحتى الخيول والأرانب، حيث يسهم العلف المستنبت في تحسين الأداء التناسلي والصحة العامة.

يستأنف المدير التقني حديثه، وهو يشير إلى مخطط لنظام تغذية متكامل: “نحن لا نقدم الشعير الأخضر فقط، بل ندمجه ضمن نظام ‘الوجبة الموحدة’، إلى جانب التبن ومكونات أخرى، لضمان توازن غذائي شامل”. ويضيف موضحًا: “إنه نظام يعتمد على مكونات طبيعية بالكامل، دون إضافات صناعية، ما يساهم في تقليص الأمراض وخفض نسبة الهلاك بشكل ملحوظ ».

مع نهاية الجولة، تتضح ملامح رؤية أوسع تتجاوز مجرد تقنية زراعية. يقول الخبير وهو يتأمل صفوف الشعير المستنبت: “هذا المشروع ليس فقط لتقليل الكلفة، بل لتحقيق استقلالية غذائية للضيعات، خاصة في ظل تقلبات الأسواق وارتفاع أسعار الأعلاف ».

ثم يختم تصريحه قائلًا: “حين نُحسن استثمار حبة الشعير، نكون قد استثمرنا في صحة الحيوان، وفي استدامة الفلاحة، وربما في أمننا الغذائي أيضًا ».

الوزارة تُشجع

في المقابل، تُقدّم وزارة الفلاحة استنبات الشعير كأحد الحلول الزراعية المبتكرة التي تندرج ضمن التحول نحو فلاحة أكثر كفاءة واستدامة. فوفق المعطيات الرسمية للوزارة، يُعرَّف الشعير المستنبت باعتباره نوعًا من الزراعة المائية، حيث تُنبت البذور داخل محاليل مغذية، ما يسمح بإنتاج أعلاف طبيعية عالية الجودة في وقت وجيز، وبسرعة وكفاءة لافتتين.

وتُبرز الوزارة جملة من المؤشرات التقنية التي تجعل هذه الممارسة مشجعة، من بينها القدرة على تحويل كيلوغرام واحد من بذور الشعير إلى ما بين 5 و7 كيلوغرامات من العلف الأخضر خلال سبعة أيام فقط، وهو ما يعكس مردودية مرتفعة مقارنة بالزراعة التقليدية. كما تشير إلى أن هذه التقنية تُحسِّن القيمة الغذائية للأعلاف، من خلال تحويل النشا إلى سكريات، وزيادة الفيتامينات، وتحسين عملية الهضم لدى الحيوانات.

ولا تقف الفوائد عند الجانب الغذائي فقط، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي، حيث تؤكد معطيات الوزارة إمكانية خفض تكاليف التغذية بنسبة تتراوح بين 50% و70%، مع ضمان إنتاج مستمر على مدار السنة، واستغلال أمثل للمساحات الصغيرة.

كما تُعد هذه التقنية، وفق الوزارة الوصية على قطاع الفلاحة، بديلًا مناسبًا لمربي الماشية الصغار، خاصة في المناطق الجافة أو لدى الذين لا يتوفرون على أراضٍ زراعية.

وفي جانب الموارد، تشدد الوزارة على أن استنبات الشعير يحقق اقتصادًا مهمًا في استهلاك الماء، إذ يمكن إنتاج كيلوغرام واحد من العلف الأخضر بكميات محدودة جدًا من المياه، مع تحسين المردودية لكل وحدة مائية ولكل متر مربع مستغل. وتذهب المعطيات إلى حد الإشارة إلى أن وحدة صغيرة نسبيًا يمكن أن تعادل إنتاج مساحات زراعية واسعة في النظام التقليدي.

ضمن هذا التصور، يبدو أن وزارة الفلاحة تراهن على هذه التقنية كجزء من دينامية “الجيل الأخضر 2020-2030”، حيث لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج العلف، بل بإعادة تشكيل نمط الإنتاج الفلاحي نحو نموذج أكثر مرونة، قادر على التكيف مع ندرة المياه وتقلبات المناخ، مع الحفاظ على جودة الإنتاج واستمراريته.

تجربة واعدة.. بشروط

وفي ختام جولته داخل وحدة استنبات الشعير، أغلق عبد القادر الباب بهدوء، وقال مطأطئ الرأس، وكأنه يلخص التجربة كلها في جملة واحدة: “لسنا أمام حلٍّ لكل شيء”، قبل أن يضيف بنبرة متأملة: “لكننا نحاول أن نتأقلم ».

في تجربة عبد القادر، مؤسس تعاونية “إمزاغن مغران”، مكّن استنبات الشعير من تقليص الاعتماد على الأعلاف المركبة، خاصة خلال فترات الارتفاع الحاد للأسعار. يقول رئيس التعاونية: “لم أعد رهين السوق كما في السابق، والعلف المستنبت وفّر لنا هامشًا من الاستقرار في تغذية القطيع، وساعدنا على تدبير أفضل لفترات الجفاف ».

وتشير تجارب ميدانية أخرى، خاصة داخل تعاونيات فلاحية، إلى أن هذه التقنية مكّنت من “انتظام التغذية اليومية” و“تحسين استساغة العلف لدى الماشية”، ثم “تخفيف الضغط على الميزانية المخصصة للأعلاف ».

ورغم ما تحمله التجربة من إمكانات، يشدد المهنيون على أن استنبات الشعير ليس حلًا سحريًا، بل خيارًا تقنيًا يحتاج إلى شروط نجاح واضحة، من بينها: “التكوين الجيد للفلاحين”، و“المواكبة التقنية المستمرة”، و“اختيار الصيغة الملائمة حسب حجم ونوع القطيع ».

كما يُنظر إلى الشعير المستنبت بوصفه جزءًا من منظومة أعلاف متكاملة، وليس بديلًا مطلقًا عن باقي المصادر العلفية.

وفي أفقه الأوسع، يندرج استنبات الشعير ضمن صلب النقاش الوطني حول السيادة الغذائية، لا سيما من زاوية تقليص التبعية للأعلاف المستوردة، وتعزيز صمود المربين في مواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية، إذ إن إنتاج جزء من العلف محليًا، وباستهلاك أقل للموارد، يمثل تحولًا نحو نموذج إنتاج حيواني أكثر استدامة ومرونة.

وبين ضغط المناخ ورهان السيادة الغذائية، يعكس استنبات الشعير كيف يمكن للابتكار الفلاحي أن يتحول إلى أداة عملية لمواكبة التحولات، وأن يحوّل التحديات إلى فرص، ويفتح آفاقا جديدة أمام تربية الماشية في المغرب، في سعيها نحو توازن يجمع بين الإنتاج والاستدامة والسيادة الغذائية.

شارك المقال