عبّرت فرق المعارضة بمجلس النواب عن تحفظات واضحة تجاه مشروع مجلس الصحافة في صيغته الجديدة، معتبرة أنه لا يرقى إلى مستوى تكريس تنظيم ذاتي مستقل وحقيقي لقطاع الصحافة. وأشارت إلى أن بعض المقتضيات، رغم تعديلها، قد تؤدي إلى تقليص التعددية داخل المجلس، خاصة ما يتعلق باعتماد عتبة تمثيلية للناشرين.
كما انتقدت المعارضة اعتماد آلية الانتداب بدل الانتخاب لتمثيل الناشرين، معتبرة أن ذلك يمس بمبدأ الشرعية المهنية. وأثارت أيضاً مسألة ربط التمثيلية برقم المعاملات، محذرة من أن هذا التوجه قد يفتح المجال أمام هيمنة الفاعلين الأقوى مالياً، على حساب التنوع والتعددية داخل القطاع.
من جانبه، جدد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، تأكيده أن الحكومة تعاملت بإيجابية مع ملاحظات المحكمة الدستورية بشأن مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، معتبراً هذه العملية اختباراً ديمقراطياً يعكس حيوية المؤسسات واحترام سمو الدستور.
وخلال اجتماع لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، أوضح الوزير أن مراجعة المشروع جاءت استجابة لقرار المحكمة الدستورية، الذي استدعى إعادة النظر في عدد من الجوانب المرتبطة بتنظيم المهنة وهيكلة المجلس. وشدد على أن هذا التفاعل لا يمثل عائقاً، بل يعزز الثقة في البناء المؤسساتي ويؤكد الالتزام بالمقتضيات الدستورية.
وأشار بنسعيد إلى أن المشروع في صيغته الأولى كان ثمرة مشاورات واسعة مع مختلف الفاعلين في القطاع، قبل أن يخضع لاحقاً لتعديلات همّت جوانب جوهرية وأخرى شكلية، بهدف تحقيق توافق أكبر مع الدستور وضمان فعالية أكبر للنص القانوني.
ويهدف هذا الإصلاح، حسب الوزير، إلى ضمان استمرارية عمل المجلس الوطني للصحافة، ومعالجة الاختلالات التي برزت خلال التجربة السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير الدعم وتنظيم العمل المهني اليومي، إضافة إلى مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها القطاع الإعلامي، وعلى رأسها التحديات المرتبطة بالنموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية.
كما أبرز المسؤول الحكومي ضرورة الفصل بين وضعية المقاولة الصحفية ووضعية الصحفي كفاعل مهني، مشدداً على أهمية توفير شروط عيش كريمة لهذه الفئة. وتضمن المشروع أيضاً تعديلات في التمثيلية، من بينها تقليص عدد ممثلي الناشرين، وإسناد مهمة تعيين لجنة الإشراف لرئاسة الحكومة بهدف ضمان الحياد.
من جانبها، اعتبرت فرق الأغلبية أن قرار المحكمة الدستورية يشكل محطة مفصلية في تكريس دولة الحق والقانون، مؤكدة أن تجاوب الحكومة والبرلمان مع ملاحظاتها يعكس نضجاً مؤسساتياً وتعاوناً فعالاً بين السلط. كما أشادت بمضامين المشروع التي تروم تعزيز فعالية المجلس وتوضيح أدواره، بما يمكنه من مواكبة التحولات المتسارعة في المجال الإعلامي، خاصة في ظل الثورة الرقمية، مع ترسيخ مبدأ التنظيم الذاتي واستقلالية المهنة.
وفي خضم هذا الجدل، يتواصل النقاش البرلماني حول مشروع القانون، وسط رهانات كبيرة على صياغة إطار قانوني متوازن يضمن حرية الصحافة واستقلاليتها، ويواكب في الآن ذاته التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي.