قدم سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة سوسيولوجية وفلسفية لتجربة الحكواتي “لقرع”، من خلال مداخلة حملت عنوان “الحاجة إلى الضحك الشعبي: ياسين الركراكي (لقرع) نموذجا”، تناول فيها أبعاد الضحك الشعبي باعتباره ممارسة اجتماعية وثقافية تتجاوز الترفيه إلى بناء الروابط الجماعية وتعزيز الإحساس بالانتماء.
جاء ذلك بمناسبة حفل احتفاء بالحكواتي والفنان الشعبي ياسين الركراكي، المعروف بلقب “لقرع”، أحد أبرز رواد فن الحلقة والضحك الشعبي بحي يعقوب المنصور، خلال لقاء نظمته جمعية “أمال المنصور للتضامن والتنمية” وجمعية “المبادرة لحي يعقوب المنصور”، وسط حضور استعاد ذاكرة عقود طويلة من الفرجة الشعبية التي ارتبطت باسم المحتفى به.

وأكد بنيس، الذي تحدث أيضا بصفته واحدا من أبناء حي يعقوب المنصور الذين عاشوا حلقات “لقرع” عن قرب، أن هذا الأخير تحول إلى جزء من “السردية الجماعية” للحي، مشيرا إلى أن ارتباطه بالمكان جعله “أيقونة من أيقونات يعقوب المنصور”، وعنصرا من عناصر ذاكرته الرمزية.
وأوضح المتدخل أن “الضحك الشعبي” يستمد خصوصيته من البيئة الاجتماعية للأحياء الشعبية، حيث تتشكل منظومة كاملة من الرموز والمعايير الأخلاقية التي يتم التعبير عنها عبر السخرية والهزل، من خلال شخصيات ونماذج اجتماعية معروفة في الثقافة الشعبية المغربية، مثل “الجيعان” و”العايق” و”ولد باب الله” و”الدرويش”.
وطرح بنيس سؤالا مركزيا خلال مداخلته: “هل يمكن تصور حي شعبي دون فكاهي متجذر فيه؟”، معتبرا أن شخصية “لقرع” ليست مجرد فنان شعبي، بل تجسيد لحاجة مجتمعية إلى الضحك بوصفه أداة للنقد الاجتماعي والتخفيف من ضغوط الحياة.
وتوقف الباحث عند المسار الفني لـ”لقرع”، الذي دخل عالم الحلقة منذ سنة 1948 بمدينة مراكش، قبل أن يصير اسمه مرتبطا بعدد من الفضاءات الشعبية، من بينها سوق الغزل وساحة الشريج قرب دوار الكورة ومحطة “كار دكالة” بالرباط، إضافة إلى تمارة والصخيرات ومكناس وفاس ووجدة ومراكش.
ورأى بنيس أن الضحك عند “لقرع” لم يكن مجرد انفعال عابر، بل “آلية دفاعية وثقافية تحفظ للإنسان إنسانيته”، مشيرا إلى أن الفكاهة الشعبية تؤدي وظيفة اجتماعية أساسها تصحيح السلوكات وتقوية الحس الجماعي، مستحضرا في هذا السياق أفكار الفيلسوف الفرنسي Henri Bergson الواردة في كتابه “الضحك: محاولة في دلالة الهزلي”، الذي اعتبر فيه أن الضحك لا يتحقق إلا “بالتواطؤ مع الآخر”.
وأوضح أن هذا “التواطؤ المجتمعي” هو ما منح لقب “لقرع” دلالته الرمزية داخل حي يعقوب المنصور، حيث تحول الاسم إلى مرجع شعبي يحيل على شخصية الفكاهي المتجذر في المجال الترابي والثقافي للحي.
كما أبرز بنيس أن “لقرع” استطاع عبر حلقاته وقصصه وقفشاته أن يبلور فلسفة شعبية قائمة على الحكمة الجماعية والتنشئة الاجتماعية، من خلال أمثال وعبارات متداولة مثل “يمشي الجمال ويبقى العمل”، و”لي نهاك بغاك”، و”الصواب تيغلب النسب”، و”اركب على الهم وتبرع وزيد لقدام”، وهي تعبيرات قال إنها تختزن قيما مرتبطة بالتضامن والعيش المشترك والذكاء الجماعي.
وأشار بنيس إلى أن “لقرع” كان يعتمد في فرجته على شخصيات مضحكة وحركات جسدية وقفشات لغوية تنبع من البيئة المحلية، معتبرا أن قوة الضحك الشعبي تكمن في ارتباطه بالسياق الترابي والثقافي، وهو ما جعله يتحدث عن “ترابية الضحك” أو “Territorialité du rire”.
كما حذر بنيس من تأثير العصر الرقمي على هذا الشكل من الفرجة الجماعية، معتبرا أن “عهد التباعد الفيزيائي والخوارزميات” يهدد الضحك الشعبي في صيغته التقليدية، لأن الحلقة كانت فضاء مفتوحا يعزز الروابط الاجتماعية والإحساس الجماعي.
وفي هذا السياق، ميز الباحث بين “لقرع بيو”، الذي يبدع داخل الساحات والأسواق الشعبية، و”لقرع مصنع” الذي يظهر داخل الاستوديوهات والتلفزيون، معتبرا أن الفنان الشعبي يفقد جزءا من جاذبيته عندما يُنتزع من فضائه الطبيعي المفتوح.
واستعاد بنيس شهادات سابقة لـ”لقرع”، تحدث فيها عن “الحس المدني” الذي كان يميز جمهور الحلقة، حيث كان المتفرجون ينظمون الفضاء بشكل تلقائي، إلى درجة أن الحلقة تحولت إلى معلمة مجتمعية يحدد الناس مواعيدهم بالقول: “نتلاقاو حدا لقرع”.
ودعا سعيد بنيس إلى إطلاق مبادرات لحفظ ذاكرة حي يعقوب المنصور وتوثيق إرث “لقرع”، من خلال إنشاء “خزانة يعقوب المنصور” كفضاء لحفظ الذاكرة الجماعية، واقتراح إطلاق اسم “ساحة لقرع” على الفضاء الذي احتضن حلقاته، إضافة إلى تنظيم حلقة مفتوحة بحضور الفنان نفسه لتوثيق هذا التراث الشعبي ونقله إلى الأجيال الصاعدة.