سعاد مخنت... صحافية بجذور مغربية تصل إلى «إيمي» عبر أخطر ملفات الشرق الأوسط

29/05/2026 - 22:00
سعاد مخنت... صحافية بجذور مغربية تصل إلى «إيمي» عبر أخطر ملفات الشرق الأوسط

لم تصل سعاد مخنّت إلى منصة «إيمي» صدفة. فمنذ سنوات، بنت الصحافية ذات الأصول المغربية مساراً مهنياً اقتحم أكثر الملفات تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط، قبل أن يقودها تحقيق «الضربة في إيران: السؤال النووي» إلى واحد من أرفع التتويجات في الصحافة التلفزيونية العالمية.

ويحمل هذا التتويج بعداً خاصاً، ليس فقط لأنه جاء عبر واحدة من أرفع الجوائز الصحافية في العالم، بل لأنه يضع صحافية من أصول مغربية في صدارة مشهد التحقيقات الدولية العابرة للحدود، بعد سنوات من العمل وسط أخطر الملفات السياسية والأمنية في المنطقة.

وجاء العمل المتوج ثمرة تعاون بين «فرونتلاين» و«واشنطن بوست» و«إيفيدنت ميديا» و«بيلينغكات»، وهي مؤسسات تُعد من بين الأكثر تأثيراً في الصحافة الاستقصائية العالمية، ما منح الجائزة ثقلاً مهنياً مضاعفاً.

وفي ليلة التتويج بنيويورك، ظهرت مخنّت بقفطان مغربي عصري، في لحظة بدت وكأنها تربط بين نجاحها المهني العالمي وجذورها الثقافية المغربية، في صورة تختزل مسار صحافية تشكلت بين لغات وهويات وتجارب متعددة.

وتُعتبر جوائز «إيمي»، التي تمنحها الأكاديمية الوطنية لفنون وعلوم التلفزيون (NATAS)، من أرفع الجوائز في مجال الأخبار والإنتاج الوثائقي والبصري، فيما تُعد فئة «إيمي للأخبار والوثائقيات» من أكثر الفئات تنافسية وهيبة على المستوى الدولي.

ويُنظر إلى الفوز بهذه الجائزة باعتباره تتويجاً لمسار طويل من العمل المهني الدقيق والمؤثر في خدمة المصلحة العامة، كما يضع الفائزين بها ضمن نخبة الصحافيين الأكثر تأثيراً في العالم. وتُعد سعاد مخنّت أول صحافية مغربية تحصد هذا التتويج.

ويتناول فيلم «الضربة في إيران: السؤال النووي» واحداً من أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية في العالم، عبر استقصاء معمق لاحتمالات توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وما قد يترتب عن ذلك من تداعيات إقليمية ودولية واسعة.

وحصل التحقيق على جائزة «إيمي للأخبار» في فئة «أفضل صحافة استقصائية – الشكل الطويل»، وهي من أبرز الفئات المخصصة للأعمال الاستقصائية الكبرى.

وأدت مخنّت دوراً محورياً داخل فريق التحقيق بصفتها مراسلة أساسية، مستفيدة من خبرة ميدانية تمتد لأكثر من ربع قرن، ومن شبكة علاقات واسعة في الشرق الأوسط، ما أضفى على العمل عمقاً مهنياً ومصداقية عالية.

ولا يقتصر حضور سعاد مخنّت على الصحافة التلفزيونية والتحقيقات الميدانية، بل تُعد أيضاً من أبرز الكاتبات المتخصصات في قضايا الإرهاب والتطرف والتحولات السياسية والدينية في العالم الإسلامي. وقد ألّفت وشاركت في تأليف أربعة كتب تركت صدى واسعاً في الأوساط الفكرية والإعلامية الدولية.

ومن أبرز هذه الأعمال كتاب «قيل لي أن آتي وحدي: رحلتي خلف خطوط الجهاد» الصادر سنة 2017، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والتحقيق الصحافي من قلب شبكات الجهاد والتنظيمات المتشددة. وقد اختارته صحيفتا «واشنطن بوست» و«ذا غارديان»، إلى جانب مجلة «ذا كريستيان ساينس مونيتور»، ضمن أفضل كتب سنة 2017. كما وصفته مجلة «ذا نيويوركر» بأنه مزيج مشوق ومفاجئ من المذكرات والتقارير الصحافية. وفاز بجائزة هنري نانين لعام 2018، وهي من أرفع الجوائز الصحافية في ألمانيا، قبل أن يُترجم إلى عدة لغات ويصل إلى قراء في أوربا والعالم العربي وخارجهما.

كما شاركت مخنّت في تأليف كتاب «النازي الأبدي»، الذي يتناول شبكات ما بعد الحرب النازية وتأثيراتها المستمرة، إلى جانب كتاب «أطفال الجهاد» الذي يستكشف ظاهرة التطرف ومسارات الشباب المنخرطين في الحركات المتشددة.

ومن بين أعمالها أيضاً كتاب «الإسلام»، الذي يقدم مقاربة مبسطة ومتوازنة لأحد أكثر الأديان تعرضاً لسوء الفهم في العالم، في محاولة لتقريب الصورة من القارئ الغربي بعيداً عن الصور النمطية والأحكام الجاهزة.

وتنحدر سعاد مخنّت من أب مغربي وأم تركية استقرا في ألمانيا، حيث نشأت وسط بيئة متعددة الثقافات واللغات، وتتقن العربية والألمانية والإنجليزية، وهو ما منح تجربتها الصحافية بعداً عابراً للحدود.

وتؤكد مخنّت في أكثر من مناسبة اعتزازها بجذورها المغربية، وبالإرث الفكري والثقافي للمغرب، خاصة جامعة القرويين بفاس، التي تأسست سنة 859 ميلادية، وتُعد أقدم جامعة في العالم ما تزال تمنح الشهادات بشكل متواصل إلى اليوم، باعتبارها رمزاً للمعرفة والانفتاح الفكري عبر قرون.

شارك المقال