المدنية لا تُفرَض بمرسوم.. بل تُغرَس

11/06/2026 - 11:35
المدنية لا تُفرَض بمرسوم.. بل تُغرَس

بالأمس، في العاشر من يونيو، وفي إحدى قاعات مقرّه بحي الرياض في الرباط، قدّم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأياً يكاد عنوانه يكون برنامجاً: «السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة». وثمّة تفصيل يستحق التنبيه إليه منذ البداية: لم يطلب منه أحدٌ ذلك. فالأمر يتعلق بإحالة ذاتية — أي أن المؤسسة تصدّت للموضوع من تلقاء نفسها، دون طلبٍ من الحكومة ولا من البرلمان. وحين يرى مجلسٌ دستوري أُحدث سنة 2011 أنّ من المفيد أن يُفرد تقريراً كاملاً للطريقة التي نصطفّ بها في الطوابير، أو نعامل بها حديقة عمومية، أو نتصرّف بها داخل ملعب، فذلك دليلٌ على أن المسألة لم تعد تفصيلاً عابراً. لقد غدت مسألةً سياسية، بالمعنى النبيل للكلمة: إنها تمسّ طريقتنا في العيش معاً.

التشخيص الذي عرضه رئيس المجلس، السيد عبد القادر أعمارة، يُحسب له أنه لم يسقط في جلد الذات ولا في الاحتفاء المبالغ فيه بها. فهو يذكّر أولاً بما نعرفه بالفطرة: رصيدٌ من التضامن والتآزر يستيقظ، بصورةٍ لافتة أحياناً، كلما حلّت أزمة.

فمن الإجحاف أن نرى في المجتمع المغربي مجرّد تراكمٍ لمظاهر اللامدنية. ففي كل يوم تتجلّى آلافٌ من بوادر التضامن، الخفيّة في الغالب، في الأحياء والقرى والجمعيات والأسر. وما التآزر عند الكوارث الطبيعية، وشبكات الدعم القريبة، والعمل التطوعي الصامت، إلا شواهد على مواردَ مدنية حقيقية. والتحدي لا يكمن في خلق هذه القيم بقدر ما يكمن في إبرازها على نحوٍ أكثر وضوحاً في الفضاء العمومي.

لكنه يسمّي أيضاً، دون مواربة، مظاهر اللامدنية المألوفة: نفاياتٌ مُلقاة، وتجهيزاتٌ جماعية مُتلَفة، وسلوكاتٌ خطيرة على الطريق، وتجاوزاتٌ داخل الفضاءات الرياضية في لحظات الاحتقان الشديد. والأهم أنه يضع يده على المشكلة الحقيقية، وهنا تكمن قيمة تحليله: فالأجهزة قائمة بالفعل — مدرسةٌ، وإعلامٌ عمومي، وحملات توعية، وخُطَبٌ، وبرامج لإعادة الإدماج — غير أنها تظل، على حدّ تعبير الرأي نفسه، «ذات طابعٍ قطاعي وغير منسّقة بما فيه الكفاية».

هنا تكمن العقدة. لقد ظننّا طويلاً أن مراكمة النوايا الحسنة القطاعية تكفي لصناعة مواطنين مسؤولين. لكن التجربة تقول عكس ذلك. فالسلوكات المدنية الأكثر رسوخاً لا تولد من الخوف من العقاب، بل تنبع من قناعةٍ داخلية، ومن تربيةٍ متأنّية، ومن شعورٍ بالانتماء إلى جماعة مصير. وما من مجتمعٍ، بطبيعة الحال، يقوم بلا قواعد ولا سلطة. غير أن القاعدة التي لا تُفهَم، أو التي لا تُطبَّق على الجميع بالقدر نفسه، لا تُنتج سوى التهكّم وفقدان الثقة.

ولا بدّ من الإقرار أيضاً بأن التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي تزيد من تعقيد هذا النقل القيمي. فالتحضّر السريع، واتساع الضواحي الحضرية، وتراجع بعض الآليات التقليدية للتنشئة الاجتماعية، وتنامي نزعة الفردانية في السلوك، كلها عواملُ غيّرت بعمقٍ علاقة المواطنين بمحيطهم الجماعي. وحيث كان الضبط الاجتماعي للقرب يضطلع في الماضي بدورٍ تنظيمي، صارت غُفلية المدينة تُذيب أحياناً الشعور بالمسؤولية تجاه الأملاك المشتركة.

وقد أدرك المجلس ذلك فعلاً، وترتيب مقترحاته يقول الكثير. فهو يبني رأيه على ثلاث رافعات: أولاً التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين، ثم توطيد مبدأ «القدوة الحسنة» لدى المؤسسات والفاعلين العموميين والخواص، وفي المرتبة الثالثة فقط تعزيز التطبيق الفعلي للقواعد. فالعقوبة تأتي في الأخير، لا في المقدمة. وتلك، في رأيي، هي الأولوية الصحيحة.

وتبدو لي «القدوة الحسنة» على وجه الخصوص الرافعةَ الأولى الحقيقية. فنحن نتعلّم بالمشاهدة بقدر ما نتعلّم بالخطاب. إدارةٌ تستقبل باحترام، وموظفٌ يؤدي عمله بجدّية، ومنتخَبٌ يحترم القواعد التي يدافع عنها أمام الناس: تلك دروسٌ في المواطنة أنجع من ألف حملةٍ إشهارية.

والسؤال المركزي ليس فقط لماذا لا يحترم بعض المواطنين الفضاء العمومي. بل لعلّه أعمق من ذلك: هل ما زال المواطنون يشعرون بأن هذا الفضاء يخصّهم فعلاً؟ فحين تُتلَف حديقةٌ عمومية، أو يُستولى على رصيف، أو يسوء أداء مرفقٍ عمومي، تهتزّ الصلة الوجدانية بالملك المشترك. فالسلوك المدني هو أيضاً مسألة تملّكٍ جماعي. والإنسان يحمي ما يعتبره مِلكاً له أكثر مما يحمي سواه.

لا يمكن أن نطالب المواطنين باحترام فضاءٍ عمومي نتركه نحن للإهمال؛ ولا أن نطلب احترام القانون دون أن نضمن أن يكون مَن يجسّدونه قدوةً؛ ولا أن ندعو إلى المسؤولية الفردية بينما نتغاضى عن جيوبٍ من الإفلات الجماعي من العقاب. هذا الانسجام هو ما ينقصنا، أكثر بكثيرٍ من النصوص.

ثم المدرسة. يوصي المجلس بإدراج السلوك المدني في المناهج منذ التعليم الأولي، وبتعزيز الأنشطة الموازية. والنيّة سليمة، بشرطٍ واحد: ألا نختزل المواطنة في بضعة فصولٍ من مقرّرٍ دراسي. فالمواطنة لا تُحفَظ عن ظهر قلب، بل تُعاش. تدبير فضاءٍ مشترك، وقيادة مشروعٍ جماعي، وتعلّم النقاش دون تبادل الشتائم، وحلّ نزاعٍ دون عنف — هذه التعلّمات تبني السلوك المدني على نحوٍ أرسخ بكثير من درسٍ يُمتحَن فيه التلميذ.

وأضيف إلى ذلك بُعداً لا يغفله الرأي: الرقمي. فقسطٌ متزايد من تنشئة الشباب صار يجري اليوم على شبكاتٍ يسودها الاستقطاب والعدوانية اللفظية. وتكوين مواطنين في القرن الحادي والعشرين يقتضي بالضرورة التربية كذلك على السلوك المدني الرقمي.

أما مقرّر الموضوع، السيد عبد الصادق السعيدي، فقد فصّل العُدّة المقترحة، وهي أمتنُ مما كان يُخشى: ميثاقٌ وطني يحدّد قواعد السلوك في الفضاء العمومي، ومدوّنةٌ وطنية للسلوك المدني في المرافق العمومية تستند إلى ميثاق المرافق العمومية، وإطارٌ موحَّد للعقوبات الإدارية يفتح الباب أمام عقوباتٍ بديلة — وفي مقدمتها الأشغال ذات المنفعة العامة — فضلاً عن فكرة توسيع نطاق تدخّل مؤسسة «المغرب 2030» لتحمل هذا الورش. إنها عُدّةٌ جادّة ومجهَّزة. ويبقى الخطر الذي يعرفه كل مشتغلٍ بالنوايا الحسنة: أن يغفو فهرسٌ جميلٌ من التوصيات في أحد الأدراج. فالسلوك المدني لا يُبنى في بضعة أشهرٍ ولا بمرسوم؛ إنه عملٌ طويل النَّفَس.

فالمجلس لا يُخفي ذلك: إنه يقدّم كأس العالم 2030، التي سينظّمها المغرب مع إسبانيا والبرتغال، باعتبارها فرصةً استراتيجية للتسريع، ويقترح جعلها محوراً من محاور التحضيرات. والحجة بارعة، وأنا أتفهّمها. لكنني أراها ثانوية.

صحيحٌ أن الأحداث الدولية الكبرى قد تُسرّع بعض التحولات، لكنها لا تخلق وحدها ثقافةً مدنية. فالألعاب الأولمبية، والمعارض الدولية، وكؤوس العالم، خلّفت وراءها في الغالب بُنى تحتية. أما السلوكات المستدامة فنادراً ما خلّفتها.

ينبغي ألا يكون السلوك المدني تمريناً في التواصل غايتُه إبهار زوارٍ أجانب طوال صيفٍ واحد. فاحترام الطابور، والحفاظ على حديقة، وإفساح الطريق، وعدم رمي النفايات في الشارع: هذه البوادر لا تُجمّل صورة بلدٍ فحسب، بل تُحسّن أولاً حياة من يقطنونه طوال السنة، بعد صفّارة النهاية بزمنٍ طويل.

وفي العمق، ليس السؤال أيَّ مغربٍ نريد أن نُظهر للعالم في 2030. إنه سؤالٌ أشدّ تطلّباً: أيَّ مغربٍ نريد أن نورّث لأبنائنا؟ والجواب، كما يؤكد رأي المجلس على طريقته، لا يسعه نصٌّ قانوني.

إن الاختبار الحقيقي للسلوك المدني ليس حضور شرطي، أو كاميرا، أو غرامة. إنه يبدأ حين لا يكون أحدٌ يراقب، ويختار كلٌّ منا مع ذلك أن يحترم ما هو ملكٌ للجميع. في تلك اللحظة بالذات تولد المواطنة.

إنها تبدأ ببوادرَ بسيطة، تتكرّر كل يوم، وتصنع كل الفرق بين مجتمعٍ يكتفي بالتساكن ومجتمعٍ يعيش، حقّاً، معاً.

 

 

شارك المقال