الصديقي: مذكرة مالية 2027 تكشف اختلالا بين الأجندة الانتخابية والحكامة

13/08/2026 - 11:00
الصديقي: مذكرة مالية 2027 تكشف اختلالا بين الأجندة الانتخابية والحكامة

في قراءته للمذكرة التوجيهية التي وجهها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، إلى أعضاء الحكومة والمسؤولين من أجل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، اعتبر عبد السلام الصديقي، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير التشغيل السابق، أن أهمية الوثيقة « تتجاوز بكثير » تحديد التوجهات الاقتصادية والمالية، بالنظر إلى السياق السياسي الذي أعدت فيه عشية الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة جديدة.

وأوضح الصديقي، في قراءة نشرها تحت عنوان « مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 أي رهانات للحكامة الميزانياتية؟ »، أن مشاريع قوانين المالية عادة ما يتم تحليلها من خلال الأرقام التي تتضمنها عن النمو، والعجز، والاستثمار العمومي، أو النفقات الاجتماعية، بينما نادرا ما يتم النظر إليها باعتبارها انعكاسا لطريقة اشتغال المؤسسات التي تتولى إعدادها، معتبرا أن مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027 تستحق هذه القراءة الثانية.

وأشار إلى أن المذكرة، التي تنتظم حول ترسيخ الدولة الاجتماعية، ومواصلة الأوراش الكبرى، وتعزيز الصمود الاقتصادي والحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية والميزانياتية، تتميز بتخصيص حيز مهم للإجراءات الإدارية، والجداول الزمنية للتنفيذ، وآليات التتبع، وخطط العمل القطاعية، ما يجعلها تتجاوز مجرد التأطير الاستراتيجي لتقترب، في بعض جوانبها، من خطة عمل إدارية حقيقية.

ويرى الصديقي أن خصوصية المذكرة ترتبط كذلك بكونها تحيل أساسا إلى التوجيهات الملكية السامية، عوض أن تندرج بشكل أكبر في امتداد البرنامج الحكومي، وهو ما يفسره بالسياق السياسي، إذ إن الحكومة الحالية تقترب من نهاية ولايتها، ولا أحد يعرف بعد تركيبة الأغلبية المقبلة.

وحسب الصديقي، فإن الانتخابات التشريعية ستجري في نهاية شتنبر، بينما يتعين إيداع مشروع قانون المالية قبل 20 أكتوبر، ما يجعل الحكومة المقبلة أمام فترة قصيرة لتشكيل الأغلبية والحكومة وإعداد برنامجها.

ويؤكد أن الجهاز التنفيذي الجديد لا يتوفر على الوقت الكافي لإعداد أول ميزانية لولايته، ما ينتج عنه مفارقة واضحة، تتمثل في أن الميزانية الأولى للولاية التشريعية الجديدة تكون قد أعدت إلى حد كبير قبل أن تكون الحكومة المكلفة بتنفيذها قد استقرت بصورة كاملة.

وأبرز الصديقي أن هناك ثلاثة إيقاعات ينبغي التوفيق بينها: « الزمن الطويل للتوجهات الاستراتيجية للدولة، والزمن الديمقراطي للانتخابات، والزمن السنوي للميزانية »، معتبرا أن التوفيق بينها يبدو اليوم غير مكتمل.

كما سجل الصديقي غياب عدد من القضايا عن الأولويات المعلنة، وفي مقدمتها إدماج القطاع غير المهيكل، الذي يعتبره رهانا أساسيا لتوسيع الوعاء الضريبي وحماية حقوق العمال وتعزيز المنافسة النزيهة والحماية الاجتماعية.

كما أشار إلى أن مكافحة الفساد والاقتصاد الريعي لا تندرج ضمن الأولويات المعلنة، رغم تأثيرهما في فعالية الإنفاق العمومي وثقة المستثمرين وتنافسية الاقتصاد.

وانتقد كذلك غياب إصلاح أنظمة التقاعد، معتبرا أن الجميع يقر اليوم بضرورة ضمان استدامتها المالية وتحقيق الإنصاف بين الأجيال، داعيا في الوقت نفسه إلى جعل الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتكنولوجيات المبتكرة محورا أفقيا للعمل العمومي.

وفي الجانب الترابي، يرى الصديقي أن الرهان هو الانتقال من منطق تدارك التأخر إلى منطق خلق الثروة، عبر تمكين كل مجال ترابي من تثمين موارده وجذب الاستثمار وتطوير الأنشطة الإنتاجية وخلق فرص شغل مستدامة.

واقترح الصديقي تحقيق قدر أكبر من التوافق بين الأجندة الانتخابية والأجندة الميزانياتية، معتبرا أن تنظيم الانتخابات التشريعية في يونيو من السنة الأخيرة للولاية من شأنه أن يمنح الحكومة المقبلة الوقت لإعداد أول مشروع قانون مالية يعكس التزاماتها أمام الناخبين.

كما يدعو إلى تسريع إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية، بما يعزز البعد الاستراتيجي لمذكرة التأطير، ويوضح أدوار السلطات السياسية والإدارة، ويحسن تقييم السياسات العمومية.

وشدد الصديقي على أن مذكرة مالية 2027 تشكل وثيقة انتقالية بين ولايتين تشريعيتين، وأن أهميتها ليس في الأولويات التي تسردها بقدر ما تكمن في الأسئلة المؤسساتية التي تثيرها، مؤكدا أن جودة الحكامة الميزانياتية تتوقف على تحقيق الانسجام بين الاستمرارية الاستراتيجية للدولة، والشرعية الديمقراطية المنبثقة عن الانتخابات، وفعالية القرار العمومي.

شارك المقال