يدخل المغرب مرحلة دقيقة من تطوره الاقتصادي، تتحدد معالمها بقدرته على تحويل ما راكمه خلال ربع قرن من استثمارات وإصلاحات مؤسساتية وبنيات تحتية إلى قوة إنتاجية قادرة على المنافسة في اقتصاد عالمي تتغير فيه مراكز الثروة والنفوذ. وفي هذا السياق، يكتسب مشروع قانون المالية لسنة 2027 دلالة تتجاوز طبيعته الميزانياتية، باعتباره أول مشروع في ولاية حكومية جديدة تحمل طموحاً إصلاحياً يضعها أمام مسؤولية تسريع التحول الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. فهو يشكل اختباراً أولياً لقدرتها على ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية منتجة، والانتقال من تعبئة الموارد والاستثمارات إلى تحقيق نتائج ملموسة في الإنتاجية والتشغيل والدخل والحركية الاجتماعية، مع إعطاء الجهوية المتقدمة مضموناً اقتصادياً يجعل المجالات الترابية فاعلاً في إنتاج الثروة.
وتكشف المعطيات التي قدمتها الحكومة برئاسة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري عن حجم الرهانات الاقتصادية والمالية المرتبطة بهذه المرحلة الدقيقة. فقد بُني مشروع قانون المالية لسنة 2027 على فرضية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4.3%، مقابل 3.1% المتوقعة سنة 2026، في سياق دولي تتزايد فيه التقلبات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية. كما تستهدف الحكومة تقليص عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، ومواصلة خفض المديونية العمومية، بما يعكس توجهاً نحو الحفاظ على التوازنات المالية مع توفير الموارد اللازمة لدعم الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي والوفاء بالالتزامات الاجتماعية للدولة. وفي مقابل هذه الفرضيات، يرتفع مجهود الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم، بينما يقدر الأثر المالي للإجراءات الاجتماعية الجديدة بنحو 62 مليار درهم. ولا يتعلق الأمر باعتمادين من الطبيعة نفسها؛ فالأول يعبر عن مجهود استثماري واسع، بينما يمثل الثاني الكلفة المقدرة لحزمة من التدابير الاجتماعية والضريبية والقطاعية.
وتتحدد أهمية هذه الأرقام في قدرتها على إحداث تحول ملموس في بنية الاقتصاد الوطني. فالاستثمار العمومي لا يكتسب قيمته الاقتصادية من حجم الاعتمادات المخصصة له، وإنما من قدرته على تعبئة الاستثمار الخاص ورفع الإنتاجية وخلق فرص الشغل. كما أن الإنفاق الاجتماعي لا تقاس مردوديته فقط باتساع قاعدة المستفيدين، بل بقدرته على تحسين الدخل الحقيقي للأسر وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي. لقد دخل المغرب مرحلة أصبح فيها السؤال الاقتصادي أكثر دقة: كيف يمكن تحويل قوة الدولة في تعبئة الرأسمال إلى قدرة مستدامة للاقتصاد والمجتمع على إنتاج الثروة؟
الرؤية الملكية وهندسة الرأسمال الوطني
تأسس التحول الاقتصادي المغربي خلال العقدين الماضيين على اختيار استراتيجي جعل الاستثمار في البنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمات المالية رافعة لإعادة تموقع المملكة داخل الاقتصاد الدولي. وقد أتاح هذا المسار تطوير منظومات صناعية في السيارات والطيران، وتعزيز البنيات المينائية واللوجستية، وتوسيع الاستثمارات في الطاقة، إلى جانب تطور المؤسسات المالية المغربية وحضورها في الأسواق الإفريقية.
وتكشف هذه التحولات عن نشوء ما يمكن تسميته «الهندسة الاستراتيجية للرأسمال»، وهي منظومة تقوم على تنظيم العلاقة بين التمويل والصناعة والبنيات التحتية والتكنولوجيا والرأسمال البشري ضمن توجه اقتصادي طويل المدى. فالرأسمال لا يكتسب أهميته من حجمه وحده، وإنما من طبيعة القطاعات التي يتجه إليها، وقدرته على خلق روابط إنتاجية جديدة، والموقع الذي يمنحه للاقتصاد الوطني داخل سلاسل القيمة.
ومن هذا المنظور، فإن تخصيص 400 مليار درهم للاستثمار العمومي سنة 2027 يعكس استمرار دور الدولة في بناء شروط النمو الاقتصادي. غير أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق توسيع الأصول الاقتصادية إلى منطق تعظيم إنتاجيتها. وتبرز أهمية هذا التحول بالنظر إلى طبيعة النمو المرتقب. فالمشروع يفترض نمواً في القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 6.4% سنة 2027، بعد 2.9% سنة 2026، مقابل نمو الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4.7% سنة 2026 و4.6% سنة 2027. وتعكس هذه المعطيات استمرار تأثير القطاع الفلاحي في الأداء الاقتصادي العام، رغم تقدم التنويع الصناعي والخدماتي.
ويتمثل أحد التحديات البنيوية للاقتصاد المغربي في بناء قاعدة إنتاجية أقل تعرضاً للتقلبات المناخية وأكثر ارتباطاً بالصناعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وتؤكد تجارب كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان أن المردودية الاستراتيجية للرأسمال ترتبط بتوجيه التمويل نحو الإنتاج والتصدير والابتكار، وبقدرة المؤسسات على تحويل الاستثمار إلى قدرات صناعية وتكنولوجية مستدامة.
ويظل هذا التحول مشروطاً بمعالجة اختلالات تحد من انتشار آثار الاستثمار داخل الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها ضعف الروابط بين بعض الصناعات الكبرى والنسيج المقاولاتي المحلي، وصعوبة ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، والتفاوت في مستويات الإنتاجية. فاستمرار هذه الاختلالات قد يجعل جزءاً من العائد الاقتصادي للاستثمارات الكبرى محدود الأثر على التشغيل وتكوين الثروة داخل السوق الوطنية.
المغرب الدولة-المنصة… من الموقع الجغرافي إلى السيادة الاقتصادية
تتيح التحولات التي عرفها الاقتصاد المغربي قراءة أوسع لوظيفة الاستثمار العمومي. فالموانئ والمناطق الصناعية والمؤسسات المالية وشبكات النقل والطاقة والاتصالات أصبحت تشكل أصولاً استراتيجية تمنح المملكة قدرة متزايدة على الربط بين الفضاءات الاقتصادية. وقد ساهم تطوير طنجة المتوسط والمشاريع المينائية الجديدة وتعزيز مكانة الدار البيضاء المالية في بناء مقومات ما يمكن وصفه بـ«الدولة المنصة» (État-plateforme). ويقوم هذا التصور على قدرة الدولة على تنظيم تدفقات الرأسمال والسلع والطاقة والبيانات والخدمات بين أسواق متعددة، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
فالمغرب، بحكم موقعه عند تقاطع أوروبا وإفريقيا والأطلسي والمتوسط، يمتلك إمكانيات مهمة لتعزيز دوره في إعادة تشكيل الروابط الاقتصادية بين هذه المجالات. كما تمنح المبادرة الملكية الأطلسية لفائدة دول الساحل بعداً إضافياً لهذه الوظيفة، من خلال إمكانية ربط الاقتصادات الداخلية الإفريقية بالممرات البحرية والأسواق الدولية.
وتظل قدرة المغرب على توسيع موقعه في المبادلات الدولية مرتبطة بصلابة قاعدته الإنتاجية الداخلية. فالموانئ والممرات التجارية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تأمين حاجياته الأساسية واستمرار نشاطه الصناعي والفلاحي. ومن هنا تكتسب الاستثمارات الموجهة إلى الماء والطاقة والأمن الغذائي أهمية اقتصادية تتجاوز تدبير الخصاص، باعتبارها جزءاً من الشروط التي يقوم عليها تنافس الاقتصاد الوطني واستقرار إنتاجه.
وفي هذا الإطار، يكتسب تخصيص استثمارات تناهز 67 مليار درهم لمشاريع تعبئة المياه والربط بين الأحواض أهمية تتجاوز الأمن المائي المباشر. فالماء أصبح أحد محددات القدرة الإنتاجية الوطنية، وعنصراً حاسماً في استقرار الأنشطة الفلاحية والصناعية واستقطاب الاستثمار .كما أن تعزيز السيادة الغذائية، الذي يحضر ضمن أولويات المشروع، يرتبط بإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتخزين والتوزيع، وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات الأسعار والإمدادات.
لقد منح الاستثمار في الموانئ والبنيات اللوجستية المغرب موقعاً متقدماً في حركة المبادلات بين أوروبا وإفريقيا والأسواق الأطلسية. غير أن الاستفادة من هذا الموقع تظل مرتبطة بقدرة المقاولات المغربية على المشاركة في الأنشطة الصناعية والخدماتية التي تنشأ حول هذه الممرات. فكلما توسعت هذه الأنشطة داخل الاقتصاد الوطني، ازدادت قدرة المملكة على الاحتفاظ بجزء أكبر من الثروة التي تمر عبر مجالها الاقتصادي، وتعززت سيادتها على شبكات الاتصال والتبادل التي أصبحت تتحكم في جانب مهم من موازين القوة الدولية.
معامل الانتقال الاجتماعي للنمو… المعيار الحاسم للمردودية التنموية
يتيح مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لتطوير قراءة أكثر عمقاً للعلاقة بين النمو الاقتصادي والتحول الاجتماعي.
فالتجارب الاقتصادية تؤكد أن ارتفاع الاستثمار والناتج الداخلي الخام لا يؤدي بصورة تلقائية إلى تحسن متناسب في التشغيل والدخل والحركية الاجتماعية. وتتوقف النتائج الاجتماعية للنمو على طبيعة الأنشطة المنتجة ومستوى الإنتاجية وبنية سوق العمل وقدرة المؤسسات على توسيع فرص الاستفادة من الثروة. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم «معامل الانتقال الاجتماعي للنمو» (Coefficient de transmission sociale de la croissance) أهمية خاصة باعتباره إطاراً لتحليل فعالية انتقال المكاسب الاقتصادية إلى المجتمع. ويقوم هذا المفهوم على العلاقة بين خمس حلقات مترابطة:
الرأسمال (Capital) ← الإنتاجية (Productivité) ← التشغيل (Emploi) ← الدخل (Revenu) ← الحركية الاجتماعية (Mobilité sociale).
تكشف هذه السلسلة أن المردودية الاجتماعية للنمو تتوقف على فعالية انتقال القيمة بين حلقاتها. فقد ترتفع الاستثمارات دون توسع موازٍ في التشغيل، أو تتحسن الإنتاجية دون انعكاس كافٍ على الأجور الحقيقية، بما يحد من قدرة النمو على تحسين مستوى معيشة الأسر وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي. ويكتسب هذا الإشكال أهمية خاصة في ضوء الإجراءات التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، ومنها مواصلة مراجعة الضريبة على الدخل، بما يسمح برفع الدخل الصافي لفئات من الأجراء، إلى جانب الرفع التدريجي للحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 3.000 درهم شهرياً، والرفع من نسبة التعويض عن فقدان الشغل من 50% إلى 100% لفئات محددة وفق الشروط المقررة.
ويرتقب أن ترفع المراجعة الضريبية نسبة الأجراء المعفيين من الضريبة على الدخل، ممن تقل أجورهم الشهرية الصافية عن 10.000 درهم، إلى 87%، بكلفة مالية تقدر بنحو 5.5 مليارات درهم. وتستهدف هذه الإجراءات تحسين الدخل المتاح للأسر، غير أن مردوديتها الاجتماعية ستتحدد بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية الفعلية واتساع فرص التشغيل المستقر.
ويمكن تطوير معامل الانتقال الاجتماعي للنمو إلى أداة كمية تستند إلى تطور الإنتاجية، وصافي فرص العمل المستقرة، والأجور الحقيقية، والدخل المتاح للأسر، ومؤشرات الحركية الاجتماعية. ويتطلب ذلك بناء منهجية إحصائية تضبط أوزان هذه المتغيرات وآجال انتقال آثارها، حتى لا يتحول المعامل إلى مؤشر تجميعي يخلط بين نتائج اقتصادية واجتماعية مختلفة.
الدولة الاجتماعية وإعادة بناء العلاقة بين الإنتاج والحماية
يحتل تعزيز الدولة الاجتماعية موقعاً مركزياً في الاختيارات العمومية، وقد أدرج مشروع قانون المالية لسنة 2027 حزمة من الإجراءات الاجتماعية تقدر كلفتها الإجمالية بنحو 62 مليار درهم. وتشمل هذه الإجراءات توسيع الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية، وتحسين الدخل، وتعزيز خدمات الصحة والتعليم والسكن، إلى جانب إطلاق برامج جديدة لفائدة الشباب والمجالات الترابية.
وفي قطاع الصحة، يرتقب رفع ميزانية القطاع إلى نحو 45.4 مليار درهم، بزيادة تقارب 3 مليارات درهم مقارنة بسنة 2026، مع مواصلة تأهيل البنيات الصحية وتوسيع العرض الاستشفائي. كما يتضمن المشروع تجهيز 1.600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية و90 مستشفى، إلى جانب مواصلة تطوير المراكز الاستشفائية الجامعية. أما قطاع التعليم، فيرتقب أن يستفيد من اعتمادات تناهز 121.3 مليار درهم، بزيادة تفوق 5.3 مليارات درهم، مع تخصيص 17.874 منصباً مالياً، وتوسيع برامج تحسين جودة التعلمات وتطوير التعليم الأولي والجامعي. وتكشف هذه الاعتمادات عن إدراك متزايد لأهمية الرأسمال البشري في بناء القدرة الإنتاجية الوطنية. فالصحة والتعليم لا يمثلان مجالين للإنفاق الاجتماعي فقط، بل يشكلان محددين مباشرين للإنتاجية المستقبلية، وقدرة الاقتصاد على استيعاب التكنولوجيا وتطوير المهارات.
وفي مجال السكن، يخصص المشروع اعتمادات تقارب 10.4 مليارات درهم لمواصلة برامج الدعم المباشر، بعد استفادة أكثر من 128 ألف مستفيد إلى غاية شتنبر 2026. كما يرتقب تعزيز برامج السكن القروي وتبسيط المساطر المرتبطة بالتعمير والبناء. ويكتسي البرنامج الوطني المندمج للشباب للفترة 2027–2031 أهمية خاصة، بالنظر إلى طبيعته الاقتصادية والاجتماعية. إذ يخصص له نحو 6 مليارات درهم سنة 2027، ويستهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً في مجالات مرتبطة بحاجيات سوق الشغل، إلى جانب دعم المبادرة المقاولاتية وتوسيع قدرات التكوين والتأهيل.
وسيكون نجاح هذه البرامج رهيناً بما تحدثه من تغيير في أوضاع الشباب المستفيدين منها، سواء من حيث ولوج سوق الشغل والاستقرار المهني وتحسن الدخل، أو من حيث قدرة المشاريع المقاولاتية الجديدة على الاستمرار والتوسع. فالأثر الاقتصادي لهذه المبادرات يتوقف على مدى مساهمتها في إدماج الشباب داخل الدورة الإنتاجية، وتوسيع النسيج المقاولاتي الوطني.
ويظل تعزيز الطبقة المتوسطة أحد الشروط الأساسية لاستدامة الدولة الاجتماعية، بالنظر إلى دورها في الاستهلاك والادخار والاستثمار في التعليم والمبادرة الاقتصادية. ويتطلب ذلك تحسين الدخل الحقيقي وجودة الخدمات العمومية، بالتوازي مع توسيع القاعدة الإنتاجية والضريبية للاقتصاد، حتى تصبح الحماية الاجتماعية رافعة للحركية الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، دون الإخلال بالتوازنات المالية.
من الجهوية الإدارية إلى الجهوية المنتجة: هندسة التنمية الترابية وحكامة المردودية العمومية
يفرض اتساع الاستثمار العمومي والبرامج الاجتماعية تطوير أدوات التدبير والتقييم، خاصة مع تخصيص ما لا يقل عن 12 مليار درهم لدعم التنمية الترابية المندمجة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027. ويقتضي تحقيق المردودية المرجوة تسريع تنزيل اللاتمركز الإداري، وتعزيز قدرة المؤسسات الترابية على تعبئة الموارد وتنفيذ المشاريع وفق الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لكل مجال.
تكتسب الهندسة الترابية التي يؤطرها مشروع قانون المالية لسنة 2027 أهمية خاصة في ضوء التوجيهات الملكية الرامية إلى إرساء جهوية متقدمة قوية ومنتجة. فبعد سنوات انصب خلالها جزء مهم من الجهد المؤسساتي على توزيع الاختصاصات وبناء الهياكل وتعبئة الموارد، أصبح التحدي يتمثل في استعادة الجوهر الاقتصادي للجهوية المتقدمة، عبر الانتقال من جهوية يغلب عليها تدبير الاختصاصات الإدارية إلى جهوية منتجة للثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل. وفي هذا التوجه، لا تقاس قوة الجهة بحجم ميزانيتها أو اتساع صلاحياتها وحدهما، بل بقدرتها على تحويل مؤهلاتها الترابية إلى منظومات إنتاجية متكاملة، وربط الاستثمار العمومي بالمبادرة الخاصة، وتطوير قاعدة اقتصادية قادرة على تمويل جزء متزايد من حاجياتها التنموية.
ويستدعي هذا التحول إرساء تعاقد اقتصادي بين الدولة والجهات، يقوم على تحديد الأولويات والتخصصات الإنتاجية لكل مجال ترابي، وربط التمويل العمومي بالتزامات قابلة للتقييم في الاستثمار الخاص والتشغيل وتطوير سلاسل القيمة المحلية. وتضطلع الدولة في هذا الإطار بضمان الانسجام الاستراتيجي والتضامن بين الجهات، مع توسيع قدرة المؤسسات الجهوية على المبادرة وتعبئة الموارد وتنفيذ المشاريع. وبذلك تكتسب الجهوية المتقدمة مضمونها الإنتاجي، من خلال الانتقال من اللامركزية في تدبير الاعتمادات إلى اللامركزية في إنتاج الثروة، ومن توزيع المسؤوليات الإدارية إلى تحمل المسؤولية عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية.
فالتفاوتات الترابية لا تعكس اختلافاً في حجم الاستثمارات فقط، وإنما تكشف أيضاً عن تفاوت في قدرة المؤسسات المحلية على إعداد المشاريع وتعبئة التمويل وتنفيذ البرامج وربطها بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا تبرز ضرورة تطوير »حكامة المردودية العمومية « ، التي تقوم على الربط بين الموارد المعبأة والأهداف المحددة والنتائج المحققة. ويشمل ذلك قياس قدرة الاستثمار العمومي على تعبئة الرساميل الخاصة، وتقييم مساهمة المشاريع في رفع الإنتاجية، وتتبع آثار برامج التشغيل على الدخل، وربط الاعتمادات الترابية بمؤشرات التنمية المحلية.
ويقتضي ترسيخ حكامة المردودية العمومية اعتماد تقييم مرحلي للمشاريع والبرامج، يربط الاعتمادات بالنتائج الفعلية، ويسمح بتصحيح الاختلالات أثناء التنفيذ. ويمكن توظيف معامل الانتقال الاجتماعي للنمو لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار على المستوى الترابي، بما يعزز مسؤولية المؤسسات عن النتائج ويجعل تحسين الأداء معياراً لجودة القرار العمومي.
من قوة الدولة الاستثمارية إلى قوة المجتمع الإنتاجية
يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الاقتصاد المغربي أمام اختبار يتجاوز حجم الاعتمادات المعبأة إلى قدرتها على إحداث تحول إنتاجي واجتماعي مستدام. فبعد جهد كبيرمن بناء البنيات التحتية وتعزيز القدرات الصناعية والمالية واللوجستية، أصبح الرهان يتمثل في الانتقال من تراكم الرأسمال إلى تكاثره الإنتاجي، عبر توجيه التمويل نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتعميق الاندماج الصناعي، وتطوير المعرفة والتكنولوجيا، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على تجديد رأسماله والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المتولدة داخل سلاسل الإنتاج الدولية.
غير أن اكتمال هذه الهندسة الاقتصادية يظل رهيناً بقدرة النمو على الانتقال إلى المجتمع عبر التشغيل المستقر والدخل الحقيقي والحركية الاجتماعية. وهنا تتقاطع الهندسة الاستراتيجية للرأسمال مع معامل الانتقال الاجتماعي للنمو وحكامة المردودية العمومية، باعتبارها أدوات لقياس قدرة السياسات الاقتصادية على تحويل الموارد إلى ثروة، والثروة إلى فرص للارتقاء الاجتماعي.
إن القوة الاقتصادية للمغرب في العقود المقبلة ستتحدد بمدى قدرته على بناء اقتصاد يعيد إنتاج رأسماله من داخل منظومته الإنتاجية، ويحول موقعه في شبكات الاقتصاد الدولي إلى مصدر مستدام للقيمة المضافة والسيادة الاقتصادية. فالرهان لم يعد مقتصراً على قدرة الدولة على تعبئة الاستثمار، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرتها على جعل المجتمع نفسه قوة منتجة للثروة، وقادرة على تجديد شروط تقدمها الاقتصادي والاجتماعي.