أقرت مديرية أملاك الدولة، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، بعدم تنفيذ أحكام قضائية نهائية صادرة لفائدة ملاك الأراضي المنزوعة ملكيتها في إطار مشروع تهيئة سهل وادي مرتيل بتطوان، متذرعة بالارتفاع الكبير في المبالغ المالية المحكوم بها، والتي تتجاوز ستة مليارات درهم، في موقف إداري غير مسبوق يثير إشكالات قانونية ودستورية بشأن مدى احترام الإدارة للمقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، وحدود التزام الدولة بتنفيذ الأحكام الصادرة « باسم جلالة الملك ».
ويطرح هذا الموقف، الذي يمكن اعتباره شكلا من أشكال الامتناع عن تنفيذ المقررات القضائية، تساؤلات جدية بشأن ما إذا كانت الاعتبارات المالية والميزانياتية يمكن أن تشكل مبررا لتعطيل تنفيذ أحكام قضائية نهائية، في وقت ينص فيه الدستور المغربي صراحة على إلزامية الأحكام النهائية للجميع، ويمنع عرقلة تنفيذها، بما يجعل القضية تتجاوز مجرد نزاع حول التعويضات لتلامس مبدأ سيادة القانون وهيبة السلطة القضائية.
وكشفت المديرية، في رسالة جوابية موجهة إلى مؤسسة وسيط المملكة، مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، أن الأحكام القضائية الصادرة بشأن تعويضات نزع الملكية رفعت الكلفة المالية للمشروع إلى مستويات تفوق بكثير التقديرات الأولية التي وضعتها الدولة عند إطلاقه.
وأوضحت المديرية، في الوثيقة التي اطلعت عليها «اليوم24»، أنها «لم تتمكن من تسوية التعويضات التكميلية التي صدرت بشأنها أحكام نهائية»، مرجعة ذلك إلى الارتفاع الملحوظ في معدل المتر المربع، الذي بلغ 396 درهما، وهو ما ترتب عنه فارق مالي مهم يصل إلى 6.4 مليارات درهم، مقارنة بالغلاف المالي الذي قدرته الدولة في البداية بـ550 مليون درهم.
ويكتسي هذا الاعتراف الرسمي دلالة خاصة، بالنظر إلى صدوره عن إدارة عمومية يفترض فيها التقيد بالأحكام القضائية النهائية والعمل على تنفيذها، لا سيما أن مديرية أملاك الدولة سبق أن شاركت في عدد من الندوات واللقاءات التأطيرية التي تناولت إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة، وجرى خلالها التأكيد على ضرورة احترام حجية المقررات القضائية وضمان تنفيذها باعتبار ذلك من مقومات دولة القانون والمؤسسات.
وتبرز المفارقة بين الخطاب المؤسساتي الداعي إلى احترام الأحكام القضائية والممارسة الإدارية التي تكشف عنها هذه القضية، إذ لا يمكن، من حيث المبدأ، أن تعلو القرارات الإدارية أو الإكراهات المالية على الأحكام القضائية النهائية الصادرة باسم جلالة الملك والحائزة لقوة الشيء المقضي به، وهو ما يكرسه الفصل 126 من الدستور، الذي ينص على أن «الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع»، وأنه «يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، ويجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام».
ويكشف جواب مديرية أملاك الدولة عن حجم المأزق الذي تواجهه السلطات العمومية في تنفيذ الأحكام القضائية المرتبطة بالمشروع، بعدما أصبحت التعويضات التي أقرتها المحاكم تفوق بأضعاف الميزانية الأولية المخصصة لاقتناء العقارات المعنية بنزع الملكية، غير أن ضخامة المبالغ المحكوم بها تطرح، في المقابل، سؤالا جوهريا حول مدى مشروعية اتخاذ الكلفة المالية ذريعة لتأجيل تنفيذ حقوق حسم فيها القضاء بصورة نهائية.
وفي معرض تبريرها لهذا التعثر، اعتبرت مديرية أملاك الدولة أن مسألة تعبئة الموارد المالية الإضافية أصبحت تطرح نفسها بشكل كبير، وتؤثر على مسار المشروع ومستقبله، مؤكدة أن آليات التتبع الموضوعة لمواكبته تعمل، بتنسيق مع مختلف القطاعات المتدخلة، على بلورة حلول ممكنة وواقعية تراعي المصلحة العامة ومتطلبات إنجاز المشروع وكلفته المالية، دون الإضرار بمصالح الملاك.
غير أن جواب المديرية لم يتضمن جدولا زمنيا محددا لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية، كما لم يكشف عن الاعتمادات المالية التي يمكن تعبئتها لتسديد التعويضات المستحقة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن الآجال التي يتعين على أصحاب الأراضي انتظارها للحصول على مستحقاتهم، ومدى إمكانية استمرار الإدارة في تأجيل التنفيذ دون تحديد أفق واضح للوفاء بالتزاماتها القضائية.
وبالموازاة مع هذا التطور، تكشف المعطيات المتعلقة بالمسار القضائي للملف عن تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في شروع محكمة النقض، خلال الفترة الأخيرة، في إصدار مجموعة من القرارات القضائية المرتبطة بمنازعات التعويض عن نزع الملكية في مشروع وادي مرتيل، انتهى عدد منها إلى نقض القرارات المطعون فيها وإحالة الملفات على محاكم الاستئناف المختصة لإعادة البت فيها طبقا للقانون.
ويبدو هذا التوجه، بحسب المعطيات المتوفرة بشأن الملفات المعنية، مغايرا لما كان سائدا في مراحل سابقة من المسار القضائي لهذه المنازعات، الأمر الذي يفتح نقاشا حول طبيعة التحول الحاصل في معالجة محكمة النقض لهذا الصنف من القضايا، ومدى انعكاس القرارات الجديدة على الوضعية القانونية للملفات التي لا تزال معروضة على القضاء.
ويثير تزامن استمرار تعثر تنفيذ الأحكام النهائية مع صدور قرارات جديدة بالنقض والإحالة تساؤلات إضافية بشأن مستقبل النزاعات العقارية المرتبطة بالمشروع، خصوصا أن نقض قرار قضائي وإحالة الملف على محكمة الموضوع يقتضي إعادة النظر في النزاع وفق ما تقرره محكمة النقض، دون أن يعني ذلك، في حد ذاته، المساس بالأحكام النهائية الصادرة في ملفات أخرى، أو إعفاء الإدارة من الالتزام بتنفيذ المقررات التي ما تزال حائزة لقوة الشيء المقضي به.
ويأتي هذا التطور بعد أزيد من سنة على ما سبق أن كشفته «اليوم24»، في 25 يوليوز 2025، من أن وزارة الاقتصاد والمالية قررت الشروع في تصفية ملف تعويضات نزع الملكية بمشروع وادي مرتيل، التي تتجاوز قيمتها الإجمالية ستة مليارات درهم، عبر تسوية تدريجية على مراحل، تنفيذا للأحكام القضائية النهائية الصادرة لفائدة المتضررين.
وكانت مصادر مطلعة قد أكدت حينها للموقع أن الدولة اتجهت نحو وضع خطة لتصفية الملف، بعدما تسبب ارتفاع قيمة التعويضات المحكوم بها في تأخر تنفيذ الأحكام، غير أن جواب مديرية أملاك الدولة الأخير يكشف أن الصعوبات المالية التي حالت دون تسوية الملف ما تزال قائمة، دون أن تتضح نتائج الوعود السابقة بإيجاد مخرج لهذه الأزمة.
ويعود مشروع تهيئة ضفتي وادي مرتيل إلى 20 أكتوبر 2015، حين أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغاله في إطار البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والحضرية لمدينة تطوان، بهدف إعادة تأهيل المجال المحيط بالوادي، وتثمين مؤهلاته العمرانية والبيئية والسياحية، وإحداث فضاءات وتجهيزات جديدة تعزز جاذبية المنطقة.
واستلزم تنفيذ المشروع تعبئة وعاء عقاري واسع، من خلال نزع ملكية حوالي 1200 قطعة أرضية، ضمن مجال تقدر مساحته بنحو 1600 هكتار، غير أن عملية نزع الملكية سرعان ما تحولت إلى مصدر نزاع بين أصحاب الأراضي والجهات المكلفة بالمشروع، خصوصا بشأن قيمة التعويضات المقترحة.
ولجأ عدد من الملاك إلى القضاء الإداري للطعن في التعويضات الأولية، مطالبين بإعادة تقييم أراضيهم وفق قيمتها الحقيقية، وهو ما أفضى إلى صدور أحكام قضائية رفعت المبالغ المستحقة، بعد مساطر تقاض امتدت في بعض الحالات إلى محكمة النقض، فيما لا تزال ملفات أخرى تشهد تطورات قضائية مرتبطة بالطعون المقدمة بشأن القرارات الصادرة فيها.
ويضع هذا الملف الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى احترام الإدارة لسلطة القضاء، إذ إن الإشكال لم يعد محصورا في تقدير القيمة المالية للأراضي المنزوعة ملكيتها، وإنما أصبح يتعلق بمدى إمكانية تمسك الإدارة بصعوبات التمويل لتبرير عدم تنفيذ أحكام قضائية نهائية، في وقت يظل فيه احترام حجية الأحكام وتنفيذها شرطا أساسيا لحماية الحقوق وضمان الأمن القانوني والقضائي.