تريرويلر: شكرا على هذه اللحظة “الحلقة 26″

17/10/2014 - 00:59
تريرويلر: شكرا على هذه اللحظة “الحلقة 26″

تواصل فاليري تريرفايلر في هذه الحلقة الحديث عن الترتيبات التي سبقت دخول فرنسوا هولاند القصر الرئاسي بشكل رسمي، وتكشف العزلة التي أخذت تعيشها داخل «الإيليزي»، وابتعاد فرانسوا المطرد عنها.

لم أتصور لحظة واحدة أن تُقرأ تلك الكلمات (قبلني في فمي) ويتم تقديمها كدليل إدانة في المحاكمة التي نصبت لي بتهمة أنني زوجة متسلطة. عشت ذلك كأنه اغتصاب. لم تعد لي أي حياة خاصة. فكل شيء يتعرض للسرقة، حتى أي همسة في أذن الشريك.

امرأة مثل كل الأخريات

كان علي أن أفهم أن هذا العالم الجديد ليس لي، فأنا امرأة عنيدة وعفوية. ما في قلبي على لساني. فقد ترعرعت في وسط لا نخفي فيه شيئا.

 في البلاط، الناس مجبولون على الصمت، يبتسم فيه المرء في وجه الذين يحتقرهم، ويرميهم بكل النعوت في الظل. لم أكن مهيأة ومسلحة لكل هذا وسوف أدفع الثمن غاليا.

كنت أحب رجلا لم يعد بإمكانه أن يخصص مجمل وقته لحياتنا المشتركة والتركيز على قصتنا كما كان يفعل إلى حدود الآن. كنت متيمة برجل أخذت أشعر بأنه يبتعد عني مع قدوم النجاح.

 لقد أخذ كل شي ينقلب رأسا على عقب. فالرجل الذي كان يرغب في كثيرا وانتظرني لسنوات عديدة، ها هو اليوم قد أصبح رئيسا، ولم يبق الرجل نفسه، ولم يعد، دون شك، من الممكن أن يبقى الرجل نفسه. فقد وضع فرنسوا حواجز لكل شيء، وأخذت أشعر بأنه لا يريدني في حياته السياسية.. إنه يخلق مسافة بيني وبينه. كنت أعتقد أنه بإمكاني تحمل كل شيء تقريبا، ولكن ليس هذه اللامبالاة. فأي امرأة تحتاج إلى نظرة حنان من الرجل الذي تحبه. وأنا امرأة مثل كل الأخريات.

 بينما كنت بالفعل حريصة على الحفاظ على حياة مستقلة، تم دفعي لكي أصبح السيدة الأولى. وهو دور نكرة وغامض وغير معروف ولا صفة رسمية له. كان يتعين علي التكيف مع هذه القيود ولكنني لم أفهم ذلك. ومازلت كذلك. فأي توازن جديد هذا الذي يجب علينا تحقيقه؟

كم من ساعة قضيناها، عندما كنت صحفية سياسية، في تبادل الحديث حول أحاسيسنا المشتركة؟ تقاسمنا كل شيء طيلة عدة سنوات. وكانت السياسة أيضا حياتي، وجعلت التلاحم بيننا قويا حتى قبل أن تشتعل بيننا جذوة العاطفة.

عزلة القصر

بعد أن دخلت إلى الإليزيه، حرصت على عدم التطاول وعدم التدخل في الأمور السياسية. ولم أترك أبدا خطواتي تحملني إلى الجانب الخاص بالسلطة، حتى إنني لم أكن أعرف أين توجد مكاتب مستشاري الرئيس.

كنت أطلق اسم «جدار برلين» على الباب الذي يفصل «جناح السيدة» عن باقي القصر. هذا هو الاسم الذي نستخدمه هنا. ذلك أننا لا نقول «الإليزيه» هنا بل نستعمل كلمة «القصر» (LE PALAIS).

حضرت اجتماعا واحدا فقط مع مستشاري «الجهة الأخرى»، وكان الأمر يتعلق بالتحضير ليوم 8 مارس الخاص بالمرأة. وُصِفت الأفكار التي قدمتها في ذلك الاجتماع بالممتازة، غير أن أي واحدة منها لم تعتمد رسميا.

كان القلق قد أخذ يجتاحني إبان الحملة الانتخابية. منذ البداية، كنت أجد صعوبة في إيجاد مكان لي. بدأ جسمي يكدس الكيلوغرامات الزائدة، وأصبت بمرض جلدي (أكزيما) في وجهي، وكانت أصاب بتشنج في رقبتي. ملامحي تتغير، والإجهاد كان باديا على وجهي. وأصبح لدي انطباع بأنني كبرت عدة سنوات خلال بضعة شهور. فهل يمكن تصور عنف حملة انتخابية؟ هل يمكن فقط تصور العدوان للذي تمثله ومضات آلات التصوير عندما لا نكون مهيئين لذلك؟ ثم، لماذا أعيش كل ذلك بشكل سيئ للغاية؟

أحس بالذنب بسبب هشاشتي الكبيرة. ولكن اليوم فهمت سببها. فمنذ بداية الحملة الانتخابية، وضعني فرانسوا في حالة من انعدام الأمن من خلال أكاذيبه وأسراره وتكتمه. لم ينجح في أن يفسر لي بكل وضوح المسافة التي يريد أن يقيمها بيننا بشأن بعض المواضيع. فكم مرة كنت أكتشف، عبر فريق عمله، ما كان يجب أن يقوله لي بنفسه؟ في بعض الأحيان، كنت أختفي عن الأنظار الوقت اللازم لكي أستعيد أنفاسي وثقتي بنفسي.

نحن زوجان، ولكننا كنا زوجين في وضعية غير عادية، وفي الطريق نحو رئاسة الجمهورية، كنت أعتقد أننا كنا متلاحمين ومنصهرين في جسم واحد كما كنا في السنوات السابقة، وطيلة مرحلة عبور صحراء النسيان. لكن منذ أن وضع في المدار، بدأت علاقتنا العاطفية التي كانت قوية تتمزق، وأصبحت له آفاق أخرى. وأصبح لا ينتبه إلى وجودي إلا قليلا، بينما بالنسبة لي لم يكن يهمني سواه، ولا حتى فوزه الانتخابي.. هو فقط.. حبي الكبير.

سباق محموم

تسارع الرحيل من ساحة «لاباستي» (بوسط باريس). وكان مانويل فالس يخشى حدوث تجاوزات، لأن بعض الانزلاقات بدأت حول الساحة. عدنا إلى منزلنا بزنقة «كوشي». وعلى طول الطريق، كانت السيارات تطلق المنبهات، وكان فرنسوا يحييهم من زجاج السيارة المفتوح.

مازلنا مطاردين من طرف حشد من الصحافيين على متن دراجاتهم النارية. وكان ثمة احتفال جنوني في محيط العمارة. فيما اجتاح عشرات الصحفيين والمصورين الشارع. وكانت القنوات التلفزيونية تبث ذلك مباشرة. ستتغير الحياة.. حياتنا.. بشكل كبير. لم أكن أنا في أجواء النشوة، وإن كان يغمرني إحساس خاص. نعم. حافظت على مسافة إزاء كل ما يحدث، كما لو أني مشاهدة ومتفرجة ولست الممثلة الأولى في هذه القصة.

استمر السباق الجامح بالنسبة إلى فرنسوا. ذلك أنه منذ اليوم الموالي، أصبح ينتقل من اجتماع إلى اجتماع من أجل تحضير قائمة أعضاء حكومته المقبلة. حافظت على اسم رئيس الوزراء في السر، وكذلك بالنسبة إلى بعض أسماء الوزراء. وكنت أعرف من خلال تجربتي كصحفية سياسية أن القوائم تتحرك وتتبدل إلى اللحظة الأخيرة.

من جهتي، اكتفيت باقتراح اسم لم يتم الاحتفاظ به. ويتعلق الأمر بـ«فاليري تورانيان»، مديرة الأسبوعية «elle» التي اقترحتها لحقيبة وزارة حقوق المرأة. لا أعرفها بشكل جيد، لكني أجد في تعيينها معنى ومظهرا لفرنسواز جيرود جديدة.

أجابني فرنسوا: «لا يمكن أن أفعل ذلك لجيسبر». وكان فرانز أوليفيي جيسبر آنذاك هو مدير مجلة «لوبوان» ورفيق فاليري تورانيان.

 وفي ذهن فرنسوا الذي يعرف المشكل لأنه يعيشه، سيعتبر فرانز أوليفيي جيسبر ترقية رفيقته كأنها ازدراء شخصي. إنه نوع من التضامن الذكوري.

 انتقدت أيضا بعض الأسماء التي ذكرها دون أن يكون لذلك أدنى تبعات. لم أكن أعرف نصف عدد المرشحين للوزارة الذين يتم تداول أسمائهم. فهم ينحدرون من أحشاء الحزب الاشتراكي ومن الراديكاليين والخضر. وكان تعيينهم محصلة حسابات الأجهزة، ومحصلة لعبة البلياردو بمشاركة عدة فرق، حتى إن بعض النساء الوزيرات تم اختيارهن من الكتالوغ. إن تصور أننا كنا نشكل قائمة الحكومة معا، كما كتب ذلك البعض، لم يكن له أي معنى. ففرنسوا ليس الرجل الذي يمكن التأثير عليه. فما إن يعود إلى زنقة «كوشي»، حتى ينخرط في اتصالاته الهاتفية. وقد نبهته عدة مرات أنه من خلال نافذة الغرفة أسمع أحاديثه بينما يكون في الشرفة، ويمكن لجميع الجيران المشاركة في المحادثة إذا ما أصاخوا السمع.

كانت الأجهزة الأمنية تأتي لتفتيش الشقة من الأعلى إلى الأسفل، والتحقق من عدم وجود ميكروفون للتسجيل مدسوس في مكان ما، وبأن الرئيس الجديد غير معرض لأي خطر. كانت النافذة الزجاجية تشكل خطرا، وكانت عدة شقق تطل على شقتنا. وهكذا أوصت الأجهزة الأمنية بوضع زجاج مصفح تصل تكلفته إلى عشرات الآلاف من الأوروهات. لكن فرنسوا رفض ذلك.

شارك المقال