لا توجد منطقة في العالم مصابة بيأس سياسي كبير مثل المنطقة العربية، ولا توجد نسبة مهمة من الرأي العام في أية منطقة يمكن أن تتعاطف مع الهمجية والبربرية والتخلف كما هي المنطقة العربية، ومن يريد الدليل على هذا الحكم القاسي فإليكم أحد المؤشرات…
أظهرت نتائج استطلاع رأي قام به المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، شهر أكتوبر الماضي، على عينة من حوالي 5000 مستجوب (في مصر وتونس والأردن وفلسطين والسعودية وسوريا والعراق ولبنان).. أظهر هذا الاستطلاع الأول من نوعه أنّ أغلبية مواطني المنطقة العربية تحمل وجهة نظر سلبية تجاه تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»؛ إذ إنّ 85% من المستجوبين قالوا إنّ موقفهم من هذا التنظيم هو موقف سلبي أو سلبي إلى حدٍّ ما، مقابل 11% أفادوا بأنّ نظرتهم إلى التنظيم إيجابية أو إيجابية إلى حدٍّ ما، وهذه النسبة مرتفعة جداً ويجب ألا يستهان بها أو بدلالاتها.. 11 في المائة تعني حوالي 40 مليون متعاطف مع داعش في منطقة فيها أكثر من 400 مليون إنسان، وهي نسبة كبيرة جداً ولا تقارن بالنسب القليلة جداً التي توجد في مناطق أخرى، حيث يتعاطف المتطرفون مع التنظيمات الدموية والهمجية والعنصرية، مثل النازيين الجدد في ألمانيا أو اليمين المتطرف في فرنسا.
ما هي الدوافع التي تجعل 11 ٪ من الرأي العام العربي تؤيد أو تتعاطف مع المشروع الداعشي؟
يرى 13% (من نسبة 11٪ المؤيدة لتنظيم البغدادي) أنّ شعبية التنظيم بين مؤيديه وأنصاره تعود إلى التزامه بالمبادئ الإسلامية، في حين أنّ 55% من المستجوبين ذكروا أسبابا أخرى لرواج هذا التنظيم بين مؤيديه، مثل إنجازاته العسكرية، أو استعداده لمواجهة الغرب وإيران، أو معاداته للنظامين السوري والعراقي، وادعائه الدفاع عن السُّنة المظلومين في المشرق العربي.
السؤال الداعشي سؤال يهمنا كثيرا في المغرب، أولا، لأن لدينا حوالي 2000 مقاتل في صفوف هذا التنظيم الدموي، ولو أن السلطات المغربية لم تقفل الباب في وجه التحاق الشباب بمعسكرات القتال في سوريا والعراق لوصل العدد إلى ضعف هذا الرقم أو أكثر، وهو الأمر الذي جعل المغرب يحتل المرتبة الثالثة على قائمة الجنسيات الأربعين التي يتكون منها جيش البغدادي، بعد تونس والسعودية. ثانيا، هؤلاء المقاتلون المغاربة سيموت منهم من سيموت في هذه الحرب القذرة، وسيرجع آخرون إلى بلدانهم، وحتى لو سجنوا سنوات طويلة، كما ينص على ذلك مشروع القانون الجديد، فإنهم سيظلون قنابل موقوتة لا يعرف أحد متى ستنفجر ولا كيف ستنفجر…
13٪ فقط ممن يتعاطفون مع داعش بناء على اعتبارات دينية، أي من الذين صدقوا حكاية أن البغدادي أمير للمؤمنين، وأن دولته هي الخلافة التي رجعت بعد قرن من اندثارها على يد كمال أتاتورك في بداية القرن الماضي. باقي المتعاطفين تحركهم دوافع سياسية أكثر منها دينية.. هذه الدوافع السياسية معقدة هي الأخرى، وتحتاج إلى تحليل وتفكيك للوقوف على أسبابها ومسبباتها…
داعش مثل شركة دواء تطرح منتوجا فاسدا وقاتلا في السوق لكن في علب براقة وأسلوب «مركتينغ» جذاب وعصري، والأخطر أنها تدعي أن منتوجها يشفي الأمراض الخطيرة والمستعصية على الطب الحديث، ولأن أذن المريض لا يدخلها إلا صوت يبشر بالعلاج، حتى وإن كان واهما وكاذبا، فإن جزءا غير يسير من الشباب الفقير والمتدين واليائس يرى أن الدواء الجديد هو فرصته الوحيدة للعلاج…
داعش تلعب على اختلالات النظام الدولي القائم، وغياب أي تصور لدى اللاعبين الإقليميين والدوليين للخروج من حروب وأزمات ومشاكل المنطقة. داعش هو الاسم الحركي لعجز الدولة العربية وفشلها. داعش نتيجة لاستعصاء الأنظمة العربية على التحول إلى الديمقراطية وإلى التنمية. فلسطين جرح غائر مضت على وجوده 60 سنة ولم يجد طريقا إلى العلاج، وكأي جرح لم يعالج، فقد بدأ يصيب الجسم كله بمضاعفات وتقيحات خطيرة. العراق جرح ثانٍ فتح منذ أكثر من 20 سنة ولم يعالج، بل إن الاحتلال الأمريكي أيقظ فيه وحش الطائفية التي تحرك اليوم الآلة الجهنمية للحروب المليشياوية في المنطقة. سوريا وإن كان جرحها جديدا فإنه غائر، فإلى الآن قتل 200 ألف سوري وشُرد الملايين، ومازالت اللائحة مفتوحة…
كل هذا يجري في منطقة هشة للغاية قضى الاستبداد والفساد الطويل على عناصر المقاومة فيها، وبالتالي فإن سكين داعش تتحرك بسهولة ويسر كما لو أنك وضعتها في حلوى كبيرة…