زائر تونس، تُطالعه صور المرشحين للرئاسة وقد عوضت الإعلانات التجارية داخل اللوحات الإشهارية، في وسط المدن وعلى طول الطرق الكبرى. إنها الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة؛ لذلك فصُورة الزعيم الواحد لم يعد لها مكان في زمن التعدد والتنافس؛ وعوضا عن ذلك هناك مُرشحون مُتعددون في هذا السباق التاريخي نحو قصر قرطاج.
على بُعد أسبوع من تاريخ الاقتراع، لا يكادُ يشعر الزائر بحرارة السّباق الانتخابي؛ لا ملصقات تُلطخُ الجدران، وحتى الإطارات المُخصصة للمرشحين السّتة والعشرين، لا يُستغل منها أكثر من أربع أو خمس مساحات.
وسائل الإعلام التلفزية من جهتها، وانضباطا لتوصيات «الهايكا» التونسية، مُلزمة بمنح المُدد نفسها لجميع المرشحين، ولأنهم كثر، ولا يتوفرون كُلهم على مواصفات قيادية وتواصلية، ولأنهم رفضوا المشاركة في برامج حوارية مبنية على المُواجهة، فإن المَلل والرتابة يظل سيد الموقف على مستوى المتابعة التلفزية لهذا الاستحقاق المُهم.
أجواء رئاسيات تونس، تبدو مطبوعةً بالأثر السياسي لنتائج الاستحقاق التشريعي للشهر السّابق، ومتأثرة بتوتر واضحٍ على الجبهة الاجتماعية تعكسه سلسلة من الإضرابات المتواصلة، فضلا عن استحضار القضايا الأمنية في علاقة بخطر الإرهاب.
الصراع الانتخابي، كما يبدو اليوم، يمكن اختزاله – بتعسفٍ- في كلمتين بات لهما وقعٌ سحري داخل معجم التداول السياسي، وهما: «التغول» و»كلمة السّر».
«التغول» يعني الإمكانية التي قد تتوفر لحركة «نداء تونس»، الفائزة بالاستحقاق التشريعي، إذا قدّر لرئيسها الباجي قايد السبسي، الظفر بمقعد الرئاسة، مما سيجعل هذا الحزب يتحكم في جميع مفاصل السُلطة التنفيذية التونسية: حكومةً ورئاسةً.
إنه التخوف الذي أصبح الحجّة الانتخابية للمُرشحين المنافسين للسبسي، وخاصة أولئك الذين ينطلقون من شرعية المساهمة من النضال ضد الاستبداد والمساهمة في الثورة؛ أمثال: المرزوقي، بن جعفر، حمى الهمامي، نجيب الشابي…هل يتعلق الأمر بتخوف مشروع؟
الجواب يختلف من موقع سياسيٍ إلى آخر، بل إن الباحثين الدستوريين التونسيين أنفسهم، لا يتفقون على رؤية واحدة، فرافع بن عاشور، السفير السابق في الرباط، يعتبر مثلا أن الحالة العادية في جميع أنحاء العالم هي التجانس السياسي، بين السلط، وبالتالي، فإن ما يمكن أن يترتب عن وجود رئيس من غير العائلة السياسية للحكومة هو تنازع الاختصاصات والشلل المؤسساتي.
رأي لا يشاطره آخرون يعتبرون أن طبيعة الانتقال تفترضُ توازنا للقوى بين «قرطاج» و»القصبة»، في إشارة إلى مقري رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة.
في خلفية النقاش، فإن طبيعة النظام الدستوري، وإن كانت قد استعارت من الأنظمة الدستورية مُقوم «الرئيس المنتخب» وصاحب صلاحيات تنفيذية مهمة، فهي قد استعارت كذلك من الأنظمة البرلمانية، فكرة الحكومة القوية والمسؤولة أمام مجلس نواب الشعب.
الكلمة الثانية، تتعلق بـ»كلمة السّر»، والمقصود هنا هو التوصية السّرية بالتصويت، والتي -من المتوقع – صدورها بشكل غير رسمي من قيادة حركة النهضة لقواعدها. إذ أن الرهان هنا هو بالضبط مصير 950 ألف صوت التي حصل عليها حزب الغنوشي في التشريعيات السابقة، والتي جعلت عدة مرشحين للرئاسة يُبلورون استراتيجيتهم الانتخابية على مغازلة قواعد النهضة؛ من المرزوقي إلى الهاشمي الحامدي، صاحب قناة المُستقلة، مرورا بمصطفى بنجعفر، رئيس المجلس التأسيسي، الصافي سعيد، الصحافي والروائي صديق الكثير من الكتاب المغاربة، ونجيب الشابي الذي ينتظر ردا لديونه تجاه الحركة التي طالما وقف إلى جانبها منذ 1984.
في كواليس المناقشات السياسية، يدفع الكثيرون بأنه عوض كلمة السر، ستكون هناك صفقة لاقتسام الرئاسات، بين النهضة ونداء تونس، إذ تحصل بموجبها الحركة الإسلامية على رئاسة البرلمان، أكثر من ذلك، هذه الصفقة قُدمت في صيغة عرضٍ سياسيٍ متكامل طرحه حزب «آفاق تونس»، أحد المفاجآت الكبرى للانتخابات السابقة، والذي يضم مجموعة من الأطر والشباب خريجي كُبريات المدارس العلمية بالخارج، والذي يدافع عن «مشروع تفاهم وطني «في صيغة، توزيع رئاستي السلطتين التنفيذية والتشريعية بين النهضة والنداء، على أن يؤول منصب رئاسة الحكومة لشخصية اقتصادية مُستقلة.
عموما تونس، بيضة ديك الربيع العربي، واستثناؤه البَهي، تنتظر الرئيس الأول لجمهوريتها الثانية، ومعها تنتظر انتصار الديمقراطية.
tariqh05@yahoo.fr