كلميم..من هنا مر الموت بمحاذاة بؤساء تحالف ضدهم "السيل" والتهميش

26/11/2014 - 14:23
كلميم..من هنا مر الموت بمحاذاة بؤساء تحالف ضدهم "السيل" والتهميش

ملامح حزينة، بيوت مهدمة، أراض مجرفة، وألسن لا تعبر إلا عن السخط من الوضع الذي تعشيه نماذج لبوادي كتب لها أن تكون من المغرب العميق، والتي بالرغم من قربها من المدن، إلا أنها لم تنل حظها ليس فقط من التنمية بل لم تحترم كرامة جثث موتاها التي نقلت عبر شاحنات الأزبال.

لازالت مدينة كلميم، والدواوير المحاذية لها، تحصي قتلاها، وتبحث عن ما تبقى من مفقودين، علقوا في الوديان التي تخترق المنطقة من كل الجوانب.

بعد أيام من الفيضانات التي غمرت مياهها مدينة كلميم، كانت الدواوير والبوادي الأكثر تضررا في المنطقة، وذلك بسبب هشاشة بينتها التحية، والبناء القديم الذي تعرفه هذه البوادي.

رحلة الوصول

« اليوم24″ استطاعت الوصول إلى بعض البوادي في المنطقة بعد رحلة صعبة، تطلبت ساعات، وكثيرا من الصبر.

بالرغم من أن مسافة الطريق التي قطعناها كانت قصيرة، إلا أن الطرق الوعرة، صعبت هذه المهمة، فالأمطار الأخيرة عرت عن جودة هذه الطرق، وهدمت مجموعة من القناطر التي كانت تربط بين شبكة قرى كلميم ذات الطبيعة الخلابة، والتي لطالما تغنى بها شعراء ومغنون هنا.

قرية تيليوين، دوار الطواسم، وجزء من دوار أساكا، كانت هذه هي الدواوير التي استطعنا أن نصل إليها، حيث تمكنا من معاينة حجم الأضرار في هذه المناطق، بعد مرور أيام على الفيضانات التي أودت بحياة 27 شخصا حسب إحصاءات رسمية، بينما لا زال البحث جاريا عن ما تبقى من مفقودين.

احدى المنازل المنهارة بتاليوين

عمر، رجل في الثلاثينيات من العمر من « دوار الطواسم »، انهار جزء كبير من بيته، شأنه في ذلك شأن جل سكان الدوار، البالغ عددهم حوالي 200 نسمة، فمنهم من انهار بيته بالكامل، كحال بيت خديجة، ومنهم من اختارت المياه أن تجتاح جزءا من مسكنه.

يؤكد هذا الرجل أنهم في هذا الدوار، أمضوا أكثر من 72 ساعة تحت المطر دون تدخل من السلطات المحلية، أو أي جهة من أجل حمايتهم من الفيضانات، حيث أن الأمطار تهاطلت بغزارة على المنطقة منذ الساعات الأولى ليوم الجمعة الماضي، واستمرت بنفس الوتيرة إلى حدود الاثنين.

هذه الوتيرة من تهاطل الأمطار، يضيف محدثنا لم تتعود عليها المنطقة، التي شهدت سنوات عجاف في الماضي، لكنها اليوم عرفت تساقط أكثر من 100 ميليمتر في مدة وجيزة.

حال « دوار الطلاسيم »، يطابق ما عاشته ساكنة قرية « تيليوين »، التي أغرقتها المياه، وجرفت العديد من الدواب، وأجزاء واسعة من ما يسميه أهالي المنطقة هنا بالأحواش، وهي أماكن مخصصة للماشية، تسكنها بعد الرعي طيلة ساعات اليوم.

معاناة الهامش..

مع الخطوات الأولى في هذه القرية التي لا تبعد إلا بحوالي 20 كلمترا عن مدينة كلميم، تلاحظ الخراب في كل شبر فيها، وملامح البؤس والحيرة في وجوه عدد من ساكنتها، التي لم تستوعب بعد ما حصل، وهذا ما جعل العديد منهم لا يكف عن ترديد عبارة « قدر الله وما شاء فعل ».

لا صوت يعلو هنا في تليوين عن صوت الأماني والرجاءات، شيب وشبان كل حديثهم عن المشاكل التي يعانونها كقرية من « قرى الهامش »، وما خلفته الأمطار من أضرار.

يقول محمد راعي الغنم ذو قسمات الوجه الحادة، الذي ولد هنا في هذه القرية، إن سكان « تيليوين » لم يناموا خلال الأيام الماضية إلا الوسن، خوفا من مطر قد يغمرهم، ويضح حدا لحياة طبعها البؤس، وغلبة شظف العيش، « حتا إلا متنا نموتو بخير » يضيف محمد.

الراعي محمد

همهمات الرجل، تكشف عن شعور بخيبة الأمل يغالبه ويسود في القرية، فبعد أن عم الفرح والبهجة بالأمطار التي بدأت تتساقط بشكل متقطع منذ بداية الأسبوع، حتى انقلب هذا الشعور إلى حزن ساد في المنطقة التي غمرتها الفيضانات.

تغيرت أشكالهم وأعمارهم، لكن شهاداتهم يبدو كأنها تتكرر على ألسنة ، العديد ممن التقينا بهم خلال تواجدنا بـ »تيليوين »، فالخوف عم، والدمار ضرب جل البيوت، التي غرقت لأيام في برك المياه وتقطعت بأهلها السبل. [related_post]

وعن ما قامت به السلطات المحلية في المنطقة، أكد الراعي أنه في اليومين اللذين عرفا تساقطات مطرية كبيرة، خاصة يوم الأحد، لم يكن هناك أي تدخل من السلطات من أجل حماية سكان القرية والحد من الأضرار، فالسكان أنفسهم من قام بوضع أكياس من الرمل على شكل متاريس لكي لا تدخل المياه لبيوتهم، وهم من جمع ما بقي من متاع في البيوت المنهارة، ولم ينتظروا السلطات التي قامت بجلب جرافة لفتح بعض الطرق الرابطة بين الدواوير المجاورة لـ »تيليوين ».

كان الهدف من هذه الزيارة، الوقوف على آثار الفيضانات، في الدواوير الأكثر تضررا في المنطقة، لكن انهيار الطرق خاصة تلك التي تعبر من الوديان، جعل من مهمة الوصول إلى دواوير كـ »أساكا » و »الشويخات »، وأخرى في جماعة « الشاطئ الأبيض »، مهمة شبه مستحيلة، وذلك لأن سكان هذه الدواوير لا زالوا عالقين هناك ومنقطعين عن العالم إلا عبر الهاتف.

على فداحة الوضع الذي تعيشه المنطقة، رفض العديد من المسؤولين الحديث للصحافة، خاصة وأنهم كانوا أول المتوجسين من وصولنا إلى تلك المناطق، أحد أعضاء الجماعة القروية لـ »تلوين »، فضل عدم ذكر اسمه، برر ذلك بكون الوضع « حساس للغاية، وأن الأزمة الحالية بين السلطات المحلية، ومجموعة من المنتخبين في مدينة كلميم ونواحيها، حيث حمل العديد من أعضاء المجلس الإقليمي مسؤولية ما حدث للوالي شخصيا، بينا كان رد الولاية بالتأكيد على أنها اتخذت الإجراءات اللازمة لحماية الأرواح.

دواوير محاصرة

غير بعيد من هناك، في « الشويخات »، دوار قريب من « تيليوين »، من بين الدواوير التي لم نصل إليها، لانهيار قنطرة واحدة كانت تربط بينها وبين « تيليوين »، أثناء تواجدنا في المنطقة، إلتقينا بواحد من أسرة تعيش في « الشويخات » ويعمل في مدينة كلميم، أكد لنا أنه ومنذ يوم الجمعة الماضي لم يستطع العبور إلى أسرته، ووسيلة الاتصال الوحيدة بينه وبين عائلته هي الهاتف، حيث يضطر إلى أن يرسل لهم بشكل مطرد التعبئة في الهاتف ليبقوا على اتصال دائم.

واد مقيطع الصفا

هذا الدوار يقع في تل محاذ لوادي سماه أهل المنطقة باسم « الشويخات »، ويعتبر واحدا من روافد وادي أخر اسمه « مقيطع الصفا »، وهو من بين الوديان الموسمية الجريان، والتي لم نتمكن من قطعها، وهذا ما جعل مهمة الوصول مستحيلة.

الشويخات ليلا

انقطاع الطرق المؤدية للشويخات، جعل العديد من سكانها يبلغون عن حالة إحدى السيدات المسنات في الدوار، التي تعاني من الفشل الكلوي، وهذا ما جعل سلطات كلميم تتدخل لأول مرة في هذه المنطقة المنكوبة، حيث قامت بإرسال طائرة لهذه السيدة، لتنقل المستشفى العسكري الخامس في كلميم.

« اليوم24 » عاينت لحظة وصول هذه السيدة إلى مطار كلميم العسكري. .

كلمات دلالية

الفيضانات فاجعة كلميم
شارك المقال