أوريد: مسؤولية الكاتب لا تقل جسامتها عن مسؤولية رجل الدولة

17 يناير 2015 - 18:31

رغم أن اللقاء تأخر عن موعده أكثر من ساعة ونصف، إلا أنه كان مفتوحا مع الكاتب حسن أوريد، في مركز التنمية البشرية بسيدي مومن، مساء أول أمس، حيث تميز بحميمية وتفاعل كبير بين الضيف وجمهوره. إذ تحدث الرجل عن مساره الفكري ومراميه الإبداعية والفكرية والإبداعية، والسياسية أيضا، دون أن يغفل عن القضايا الحساسة التي يشهدها المغرب، مثل قضية الصحراء.

«الكتابة هي ما يرشح عن تجربة الشخص. لا معنى لها، إذا لم ترتبط بقضايا الناس. فإذا كانت تقليدا لبعض المدارس، فهي غير مفيدة. كتاباتي هي جزء من مساري». هذا ما قاله الأديب والكاتب حسن أوريد، مساء أول أمس، في لقاء مفتوح نظمته جمعية تسيير مركز سيدي مومن للتنمية البشرية في الدار البيضاء.

هذا اللقاء المفتوح أراده أوريد إطلالة على مساره العام في مجال التفكير والإبداع. ذلك أن مداخلته الافتتاحية كانت بمثابة استعراض لهذا المسار الذي امتد من سنة 1993 إلى غاية اليوم. لكنه كشف أنه توقف عن الكتابة لفترة من الزمن، لأن العمل السياسي «استهواه». وفي هذا السياق، قال إنه عندما لم يتمكن من إيصال أفكاره وآرائه، رجع إلى قاعدته الخلفية، التي هي الكتابة. وهنا شبّه نفسه بابن خلدون، الذي تقلد مهام في كتابة الدولة، سواء في المغرب أو تونس أو الأندلس، وقام بأدوار دبلوماسية، قبل أن ينعزل في قلعة بني سلامة، وينكب على الكتابة.

غير أن أوريد يرى أن الكتابة هي استمرار للعمل السياسي. إذ يرى أنها ليست خالية من السياسة والشأن العام والوعي بقضايا الناس، حيث يحيل هنا على أهم القضايا التي طرحها في رواياته وكتبه الفكرية. بتعبير آخر، ليس انفصالا، حسب قوله، بين الاهتمامات الفكرية والاهتمامات السياسية، حيث يؤكد ما أورده في حوار سابق مع جريدة «أخبار اليوم»، على أن ما جاء في روايته «سيرة حمار» الصادرة عن دار الآمان العام الماضي كان مقصودا. غير أنه يميز، من حيث الأهمية، بين الأعمال الروائية والكتب الفكرية، حيث يقول: «في الرواية، لست محللا دقيقا، لأني أحرص على جانبي المتعة والفائدة، مع العمل على تحقيق توازن بينهما.»

أما كتابة البحث، فيتطلب، كما يوضح أوريد، التسلح بالأدوات العلمية والمعطيات الموضوعية. إذ يعي هنا بأنه لا يسعى إلى تحليل واقع ما، بل تفكيك البنيات السياسية. لكنه ينبه إلى أنه، بخلاف «جان واتربوري» أو آخرين ممن كتبوا وحللوا الواقع المغربي، يمزج بين الذاتية والموضوعية، على اعتبار أن واقع المغرب هو واقعه أيضا.

من جهة أخرى، تعتبر الحرية، في نظر أوريد، الشرط الأساس في الفكر والإبداع، اللذين ينتفيان في حالة وجود موانع مقيِّدة. غير أن صاحب «الحديث والشجن» يرى أنه لابد أن ترتبط الحرية بالمسؤولية، لأن الكاتب مسؤول أيضا، وليس خارج المنظومة. إذ يشير إلى أن مسؤوليته لا تقل جسامتها عن مسؤولية رجل الدولة. من هنا، فهو يعتبر أن الكتابة عن حركة 20 فبراير وما تمخض عنها من تحولات سياسية في المغرب لم تكن ممكنة، لأن الرؤية لم تختمر بعد.

في هذا السياق، توقف عند كتابه «مرآة الغرب المنكسرة»، ليقول إن الغاية منه هو التنبيه إلى أن أزمة الغرب ليست أزمة اقتصاد ومال فحسب، بل أزمة العقل الغربي. في حين، تحمل روايته «الموريسكي»، على حد قوله، سؤال العلاقة مع هذا الغرب وكيفية بناء الحوار معه وتدبير الصراع معه. في هذا السياق، يؤكد أنه، بعد سنة 1492، تاريخ خروج المسلمين من الأندلس، ظهرت أنماط مختلفة من الصراع، مشيرا إلى أن الاستعمار كان شكلا من أشكاله. وهنا، يدعو أوريد إلى ضرورة رصد أخطاء الغرب وزيفه وأوهامه، موضحا أنه لا يمكن أن نقيم هذه العلاقة ما لم ندرس واقع الغرب.

إلى جانب ذلك، تساءل أوريد: هل يمكن أن نتستر عن أصناف «الأبارتهايد» التي تمارس ضد المهاجرين؟ كيف يمكن إدماجهم في المجتمعات الغربية؟ هنا يحيل على حادث الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو»: أليس الذين نفذوا الهجوم أبناء المجتمع الغربي؟ ما الذي دفعهم إلى ارتكاب هذه الجرائم؟ ومن جهة أخرى، لم يستثن أوريد مسؤولية الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، حيث يتساءل: ألا نقيم عوائق ضد الانغمار في الحضارة الكونية؟ ما أثر الخصوصية في منع هذا الانغمار؟ ألا تحبل خصوصيتنا بالعنف؟ غير أنه يربط الإجابة عن هذه الأسئلة بوجود جهود مشتركة بين الضفتين.

من هنا، لم يجد حسن أوريد بدا من الحديث عن دور الدبلوماسية في هذه العلاقة مع الآخر. إذ يحوّر مقولة رئيس الوزراء الفرنسي السابق «جورج كليمانصو»: «الحرب فعل جدي، يجب ألا يعهد بها للجيش فقط»، ليقول إن العمل الدبلوماسي يجب أن يعهد به للدبلوماسيين، مشيرا إلى أن هذا العمل هو استمرار للدولة في الخارج. لكنه يدعو إلى ضرورة أن تتوفر رؤية واستراتيجية واضحتان، رغم أنه يقرّ أن تراكما كبيرا تحقق في هذا المجال خلال السنوات القليلة الماضية، على اعتبار أن هناك توجها عموديا (أوربا الغربية- إفريقيا).

في هذا السياق، وجه حسن أوريد، الذي كان مستشارا في سفارة المغرب بأمريكا خلال التسعينيات، سهام نقده إلى الجسم الدبلوماسي. إذ يعتبر أن هذا الجسم يضم العديد من الدبلوماسيين الذين لا يعرفون تاريخ المغرب، ولا تاريخ الصحراء وملابسات قضيتها. كما يعتبر أنه من غير المقبول أخلاقيا وأمنيا أن يكون هناك دبلوماسيون بجوازات سفر أجنبية، وبولاءات أخرى، مشيرا إلى ما كشفته تسريبات كريس كولمان. لكنه يدعو إلى وجود ذراع يتابع استراتيجية الدولة الدبلوماسية، قائلا إنه «لابد من مدرسة دبلوماسية». من جهة أخرى، يتساءل أوريد عن دواعي الإبقاء عن المينورسو، طالما أنها أخفقت في تحقيق الغاية من إحداثها، التي هي إجراء الاستفتاء.

وفي حديثه عن الصحراء، يقول أوريد إن القضية ليست قضية وزارتي الداخلية والخارجية، بل هي قضية وطنية. كما ينبه إلى أن هذه القضية ليست وليدة السبعينيات، بل هي نتيجة التقسيم الاستعماري الذي جرى خلال القرن التاسع عشر، موضحا أن هذا الأمر هو ما يجعله يركز على البعد التاريخي في هذه القضية. هكذا، فهو يرى أن الحل مستحيل، ما لم تكن هناك مسؤولية فرنسا وإسبانيا، على اعتبار أنهما وجدتا في المنطقة قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة، ولأنهما يعرفان الملف أكثر من غيرهما.

ويخلص أوريد إلى أن ما يهم، في آخر المطاف، هو بناء مغرب متعدد وإرساء أسس المواطنة الحقة. إذ يعتبر أن الجميع يجب أن يخضع لقانون الحقوق والواجبات. فالمطلوب، حسب قوله، «ليس أن نبقى أوفياء لعصورنا، بل أن نلتقي في مستقبلنا». ويختتم محاضرته باستحضار قول مأثور: «يبقى النهر وفيا للنبع، عندما يصب في النهر».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.