توفيق بوعشرين:لعنة النفط

19 يناير 2016 - 22:30

بشرى سارة للشعوب العربية التواقة إلى السلم والديمقراطية.. النفط نزل يوم أمس، ولأول مرة منذ 12 سنة، إلى ما دون 30 دولارا للبرميل. هذا معناه أن أنظمة الريع النفطي وديكتاتوريات الشرق الأوسط وإمارات شراء السلم الاجتماعي مقابل الرفاه المادي ستعيش أسوأ أيامها، وستبدأ في إجراءات جديدة تقشفية، بما في ذلك التقشف في القمع والحروب وتغذية بؤر التوتر المنتشرة في المشرق والمغرب العربي.
للأسف الشديد، المال في يد المتسلط لا ينتج إلا الحروب والاستبداد والريع والتفاوتات الاجتماعية والتبعية للأجنبي، وهذا حال دول النفط العربي التي بددت ثروات هائلة في 50 سنة الماضية، كانت كافية لتجعل من العالم العربي منطقة مزدهرة ومتطورة، وملجأ للحياة المستقرة، لكن انظروا اليوم إلى الخريطة.. العراق أصبح وكرا لداعش، وأصبحت فيه المليشيات الطائفية أقوى من الجيش، وسوريا تغرق كل يوم في حرب أهلية مدمرة، واليمن صار ساحة حرب مفتوحة بين الرياض وطهران، فيما القاعدة وداعش يستغلان هشاشة الوضع، ويعيدان بناء دولة جديدة ستعلن قريبا. السعودية، أول منتج للنفط في العالم بـ12 مليون برميل للنفط في اليوم، وصل عجز ميزانيتها السنة الماضية إلى 100 مليار دولار، وهي الآن عالقة في حربين ساخنتين في اليمن وسوريا وثالثة باردة مع إيران، أما ليبيا فإنها عادت إلى الزمن القبلي، ولم يعد يوحد أهلها سوى التطلع إلى عائدات النفط التي توزع على المليشيات كل شهر لكي يستمر القتال على أشده بين الليبيين.
انخفاض أسعار النفط خبر سار لأنه سيدفع الحكومات التي تعتمد على ريعه إلى مراجعة أوراقها، وإليكم لائحة المراجعات المُحتملة في السياسات المستقبلية بالمنطقة:
السعودية ستبدأ في التمهيد للخروج من حرب اليمن المكلفة جدا، خاصة أن الحوثيين بدؤوا يقصفون المدن الحدودية، واضطرت السلطات السعودية إلى تهجير أكثر من 10 آلاف سعودي مخافة سقوط صواريخ علي عبد الله صالح على رؤوسهم في نجران، كل هذا له تكلفة مالية كبيرة، بالإضافة إلى تكلفة ملايين الدولارات التي تصرفها الرياض كل يوم على الحكومة اليمنية العاجزة عن بناء ذاتها… إذا أضفنا إلى كل هذه المصاريف مبالغ أخرى تذهب إلى أصدقاء الرياض في سوريا لتبقى الحرب مستمرة، وإذا عرفنا أن أغلبية المواد مدعمة في السعودية، وأن البلاد تعتمد على مصدر شبه وحيد لميزانيتها وهو النفط، وأن النظام الضريبي شبه معدوم في مملكة السعودية لأن الصفقة مع الشعب تقوم على احتكار السلطة وتوزيع عائدات النفط على مراكز النفوذ في الأسرة الحاكمة والقبائل النافذة والجماعات الوهابية، فلنا أن نتصور أن العجز في ميزانية السعودية لهذا العام سيفوق عجز السنة الماضية، وستبدأ الاحتياطات في النزول، وستخرج الحكومة للاقتراض من الخارج، ومع القروض تدخل الضغوط والشروط ومدونات السلوك السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي.
العراق يمول حربا كبيرة يشارك فيها جيشان، الأول نظامي ضعيف وفاسد، والثاني غير نظامي يتكون من مليشيات الحشد الشعبي الموزعة الولاءات بين الأحزاب الطائفية والمرجعيات الدينية، وهؤلاء يتجاوز عددهم 200 ألف تَرَكُوا تجارتهم ووظائفهم، وحملوا السلاح وتوجهوا لقتال داعش في المناطق السنية. كل هؤلاء يتقاضون أجورا عليا وتعويضات كبيرة وامتيازات لكي يخاطروا بحياتهم للدفاع عن ساسة المنطقة الخضراء، وكل هذا يخرج من عائدات النفط، ولهذا فان تراجع هذه العائدات معناه تراجع الطاقة التي تمول الحرب، وتراجع نفوذ الحكومة المركزية، وتراجع نظام شراء الولاءات، وبالتالي، سيفكر الجميع في طرق أخرى للتفاهم.
إيران العائدة إلى الاقتصاد العالمي هي الأخرى ستراجع حساباتها، كما أن أولوياتها ستتغير، فهي كانت تمسك بأوراق الأزمات في المنطقة لتفاوض أمريكا وأوروبا ولتخفيف الحصار عن بلادها، الآن حصلت على 150 مليار دولار من أموالها التي كانت مجمدة في بنوك الغرب، وأول أمس رفع الحصار الأمريكي عنها تطبيقا لاتفاقية فيينا، ويوم أمس ارتفع معدلها اليومي من إنتاج النفط إلى 500 ألف برميل، وهي تستعد لاستقبال مئات الملايير من الاستثمارات الأجنبية، ومن ثمة تحتاج إلى استقرار، وتحتاج إلى مال لتصرفه على شعبها، فلم يعد من الممكن التذرع بالحصار الغربي على الجمهورية الإسلامية لتبرير الصعوبات الاقتصادية للمواطن الإيراني، ولهذا، فإن تدخلها قد يقل في المنطقة، خاصة إذا اتجهت السعودية إلى تبريد اللعب في سوريا واليمن…
الجزائر جارتنا المريضة ستعاني أكثر مع نزول سعر النفط، ورئيسها، شفاه الله، استبق كل هذا بإعلان حزمة تعديلات دستورية بعد وعد دام أربع سنوات، في محاولة لشراء السلم الاجتماعي بالانفتاح السياسي، فيما كانت الصفقة قبل أربع سنوات هي شراء السلم الاجتماعي مقابل الريع الاقتصادي، من خلال توظيف الشباب العاطل في الإدارة، وزيادة أجور الموظفين، وزيادة قيمة دعم المواد الاستهلاكية، وكل هذا من الصعب التراجع عنه الآن، وفي المقابل، فإن الانفتاح السياسي المقترح سقفه نازل جدا في ظل الاستعدادات الجارية لترتيب خلافة بوتفليقة.
نزول سعر النفط، إذن، في أنظمة ريعية ليس خبرا سيّئا، رغم أن له كلفة اقتصادية واجتماعية، لكن مادام المال النفطي لا يغذي الصناعة ولا التجارة ولا التعليم ولا الابتكار ولا الحكم الجيد، فعلى الأقل، يجب ألا يمول جيوب الاستبداد ومدافع الحرب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

MELHAOUI /LIEGE منذ 6 سنوات

كلام لا معنى له ،حركات الإسلام السياسي هي سبب أوجاعنا ومصائبنا وتخلُّفنا وتقهقرنا وانبطاحنا . ماالمرجو من مسلم يقضي معظم يومه مفكراً في ما بين فخديه أكثر من أي شيء آخر؟ ما المنتظر من مسلم ،ما إن يرتفع دخله بدينار، حتى يقتنع بإضافة امرأة ثانية ؟ ما المأمول من مسلم إذا حدّثك عن كتاب قرأه فهو من الكتب الصفراء؟ ويْحَ أمّـــــة ضحكت من جهلهـا الأمـم .

مواطن من تطاون منذ 6 سنوات

أرسلت ردا على هذا المقال منذ ساعات ولم تعملوا على نشره، استفسر عن هذا المنع الذي لا يليق بصحافتكم التي تقر القوانين الوطنية ومهنية الصحافة على حرية النشر والرأي ، وكما تعلمون أن الرد يحتاج إلى جهد الفكر فلم تقدروا هذا البذل الذهني الذي يتجاوز ويتخطى مجهوداتكم ، فعليكم أن تحترموا الناس وآراءهم بمقدار ما ينتجون من أفكار مبدعة ...

الريع ... منذ 6 سنوات

رغم عدم وجود البترول السنا دولة ريعية ، الريع هو احد مقومات الحكم في الدول العربية ، وقد استغل الريع في فترة سنوات الرصاص لشراء النخب وتقديم الامتيازات لضمان الاستقرار . اليوم لم يعد المجال يسمح بالقبول بالريع ولهذا لا بد من مراجعة منظومة الريع عاجلا ام آجلا ، لان الاجيال الحالية والمقبلة تحتاج الى العيش وهي بهذا لن تقبل بالتفاوتات ، هناك ارهاصات من شباب الفضاء الأزرق تقدم صور عن الريع من خلال هاجس يتملك هؤلاء الشباب حيث ان الوضع المادي للسياسيين في البلاد والمتوارث عن زمن سابق لم يعد مستساغا بالنسبة للأجيال الحالية التي لم تعش سنوات الرصاص وهي لن تتفهم ان يكون الريع بهذا الشكل ، في الوقت نفسه لا يريد السياسيون القبول والتكيف مع مرحلة جديدة من تاريخ المغرب تفرض ترتيبا ووضعا يتماشى مع التغيرات التي حصلت بالمغرب . المشكل ان حزب العدالة والتنمية الذي ادعى محاربة الفساد ( ونحن نتحدث عن الفساد على مستوى التركيبة في توزيع الثروة ) سقط في منظومة الريع ، بل اصبح من المدافعين عن هذه المنظومة بمبررات لا تستقيم . رئيس الحكومة يقول بأنه وجد الوضع هكذا ولا يستطيع تغييره وهو يقصد امتيازات الوزراء والبرلمانيين وهي امتيازات تستمر حتى بعد انتهاء المهمة السياسية ك " تقاعد " . في الوقت الذي يتخذ فيه قرارات ضد فئات اجتماعية اخرى ما يؤكد انفصام الشخصية عند الفاعل السياسي المغربي ، حول الاصلاح ، وبالتالي يتم استصغار مظاهر الريع هذه ، او محاولة تبريريها ، في الوقت الذي نلاحظ ان دولا مثل فرنسا التي نعتبرها نموذجا ، لا تستثني السياسيين المسؤولين من تحمل كلفة الاصلاح ، والجواب يتمثل في كون ان فرنسا ليست دولة ريعية ، لهذا بمجرد ما تنتهي المهمة السياسية تتوقف التعويضات ... لأن منطق المهمة السياسية يفرض ذلك ...

kader منذ 6 سنوات

مقال رائع لقد اصاب صلب سبب تخلف العرب عن باقي شعوب العالم

مواطن من تطاون منذ 6 سنوات

بالرغم مما قيل ويقال عن أنظمة ريع النفط السياسية في البلدان العربية التي كشفت عن سوءاتها وفضحت مستورها الأزمات الاقتصادية العالمية والحروب الدولية التي تجري على اراضيها، فإنك اخي بو عشرين لم تتطرق بعمق إلى جذور الأزمات الحادة التي تعاني منها الأنظمة العربية التي جنت على نفسها بالتسلط والاستبداد والفساد بكل أنواعه وأشكاله وجرت شعوبها إلى الحضيض الذي لا قعر له بمزيد من الفتن والأزمات التي يستحيل تجاوزها في بضعة عقود ودهور قليلة ، فحجم هذه المالات العظيمة المستعصية العلاج للأمة العربية لا يمكن ردها فحسب لغفلة الأنظمة العربية وتسيبها على شعوبها بل أيضا يلزم موضوعيا وبطريقة منهجية ان نربطها بما يحدث من تفاعلات دولية على الساحة العربية بالشرق الأوسط حيث ان القوى الكبرى الغربية على رأسها الولايات المتحدة الامريكية والصين وروسيا تريد حاليا تقاسم ثرواتها العربية والاسلامية وتشظية دولنا ومؤسساتنا السياسية والتحكم في مقدراتنا الاقتصادية والاستراتيجية وذلك لترسيخ مزيد من التحكم والسيطرة الشاملة علينا ، وتأتي هذه الأمور من خلال الترتيبات الجديدة التي اختارتها واعتمدتها هذه القوى العالمية من خلال استراتيجيات وخطط عسكرية واقتصادية تحمل في طياتها أهدافا محددة تريد منها هذه القوى تحقيق الارتباك الداخلي والإقليمي على مستويات متعددة سواء عسكرية منها او إقتصادية او تغيير الخرائط السياسية بمنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وشمال أفريقيا أيضا. وأحسب انه من الآليات التي اعتمدتها هذه القوى لا سيما الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها والتنسيق تكتيكي مع روسيا نوعان: أولى هذه الآليات ذات طابع اقتصادي بحيث أرادت امريكا على وجه الخصوص ان تجفف منابع التمويل لاقتصاديات الدول العربية خاصة المنتجة للنفط الذي اعتنقت منه بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وهذا ما جعلها الولايات المتحدة الامريكية باساليبها المفتعلة بتخفيض أسعار النفط الذهب الأسود الذي راكم راسمالا عظيما لدى الدول العربية يعد بعشرات من التريليونات من الدولارات التي تستفيد منها الدول الغربية من خلال الاستثمارات والأرصفة البنكية لديها. فلا غرابة أن هذه الآلية الاقتصادية التي تسللت منها القوى الغربية ان تفضي إلى المزيد من الارباك لدى الانظمة والشعوب العربية وترسيخ للسيطرة وامساك كبير بتلابيبها المتعددة. أما النوع الثاني من الآليات الموظفة لدى الولايات المتحدة الامريكية هو من الطابع العسكري ، ذلك انها الآن اختلقت عن قصد تفجير المنطقة العربية بالحروب المذهبية والطائفية والأهلية حتى تتصدى وتدحر مشاريع النهوض الحضاري الجديد الذي تقوده حاليا حركات الاسلام السياسي التي ارتهنت على الديمقراطية من اجل بلوغ سدة الحكم داخل الدول العربية ، وهذا الطموح الجديد للشعوب العربية لم تستسغه القوى الكبرى لاسيما الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوربي وروسيا الحليفة لهما حاليا وذلك لكون هذا النهوض العربي الجديد يمس بكل عمق ويضرب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لهذه القوى الدولية ، ولهذا عمدت هذه الاخيرة بكل قواها على دحر هذا النهوض العربي الجديد الذي يريد بعث القومة او القوامة للشعوب العربية التواقة إلى التغيير.

مجرد رأي منذ 6 سنوات

في اواخر التسعينات كان سعر البرميل اقل من 20 دولارا، وكان ان صدر حينها تقرير عن مركز دراسات الوحدة العربية اشار الى : - ان مجموع صادرات الدول العربية ال 22هو اقل من مثيله لدى بلد صغير كسنغافورة (اصغر ب 3300 مرة من الجزائر) حكمه ديكتاتور صارم منذ الاستقلال الى ان توفي قبل شهور - صادرات الهند (اكبر ديمقراطية في العالم) من البرامج المعلوماتية (لا مواد اولية ذكاء فقط) تفوق صادرات السعودية انذاك. ارقام تستجلب احساسا ساحقا بالتفاهة والضألة وتجدك تردد مع شكيب ارسلان لماذا تقدموا وتأخرنا

khabir منذ 6 سنوات

ونحن الذين انفقنا الكثيرلأجله ،فلانحن به، ولانحن بما أنفقناه.

MELHAOUI /LIEGE منذ 6 سنوات

كلام في الصميم .تُرى هل من آذان صاغية؟هل من قلوب واعية ؟ هل من عقول مستنيرة ؟

اعماروش منذ 6 سنوات

كلام جيد ومنطقي للوهلة الاولى، لاكن سوق البترول يتارجح بين عدة تناقضات، لترسو على سوق غالبا ما سيفوق 60 دولار قبل متم هذه السنة حسب بعض الخبراء. لاكن العرب لا ينفع معهم هبوط او نزول لاسعار النفط، ما ينفع هو صحوة الشعوب من غفلتها، فحكام اي بلاد هم مرًاة شعبها تصبحون على يوم استبداد جديد