كان يوما قائظا في صيف حار، حين حمل المحامي منشفة ورقية، ومررها على جبينه، وهو يتأمل في وجوه هيأة الحكم الجالسة بوقار على منصة المحكمة، قبل أن يرفع ريشتين بين أصابعه، وهو يوضح للمحكمة دليل براءة موكله.
في إحدى الجلسات، التي تعقد بالمحكمة الابتدائية في مدينة الدارالبيضاء، تقدم المحامي المخضرم، الذي أمسك للتو ملفا في إطار المساعدة القضائية لمتهم بمحاولة مغادرة التراب الوطني بطريقة غير قانونية، أمسك الملف ومسحه بعينين خبيرتين، كانت بعض دقائق كافية لعقده العزم على الدفاع عن الشاب « الحراك »، الماثل في حالة اعتقال.
طبيعة العمل، وضيق الوقت، وتعقد الملف، جعلوا المحامي يفكر مليا في كفية إخراج موكله المهاجر السري الذي ضبط في حدود إحدى الدول الأوربية، وتمت إعادته عن طريق التعاون الأمني بين البلدين، حيث تم تسلمه بمطار محمد الخامس، وإيداعه سجن عكاشة في الدارالبيضاء، لتنطلق محاكمته.
التهمة واضحة، والقانون صريح في النازلة.. فما العمل ؟.. مضت أطوار المحاكمة بشكل سريع، والمحامي لايزال حائرا في الطريقة التي ترضيه، وتخفف من الحكم على موكله.. فجأة كسر هدوء القاعة ورتابة المحاكمة رفيف جناحي حمامة، لتسقط وسط القاعة، حاول بعض الحضور الإمساك بها، ليتسنى لهم ذلك بعد مطاردة أرغمت الهيأة على توقيف أطوار المحاكمة إلى الانتهاء من اقتحام الحمامة للجلسة. حيث خرج ملتقطها إلى الشارع، وأطلقها لتعود إلى الفضاء الفسيح، الذي قدمت منه خطأ.
كانت حالة الارتباك والفوضى، التي عمت المحكمة كافية للمحامي، الذي أوحت إليه الحمامة بمخرج لموكله.. اتجه إلى الأرض وحمل ريشتين سقطتا من الحمامة أثناء المطاردة، وتوجه إلى القاضي، الذي منحه الإشارة لإتمام مرافعته في القضية، ورفع ذراعه عاليا، وهو يمسك بريش الحمامة، ليخبر هيأة الحكم أن الواقعة، التي شاهدها الجميع، تلخص ما حدث لموكله بالضبط، فهو غادر فضاءه الطبيعي المتمثل في المغرب عن طريق الخطأ، ووقع في فضاء غير مرغوب فيه، ليتم إمساكه، وإعادته إلى موطنه الأصلي، وهي التفاصيل نفسها، التي عاشتها الحمامة، حيث دخلت قاعة الجلسات عن طريق الخطأ، وتم الإمساك بها، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي، وإطلاق سراحها.
واعتبر المحامي الذي يبدو أنه وجد زاوية الهجوم على فصول الإدانة، التي يتابع بها موكله، من خلال مقارنته بالحمامة، متسائلا، لماذا لم يأمر القاضي باعتقال الحمامة والاحتفاظ بها.. ثم يصمت هنيهة لمعاينة وقع كلامه على الحضور، قبل أن يسترسل أن الواقع، وطبيعة القضية يفرضا على الهيأة أن تطلق سراح موكله، وتعامله بعاطفة على غرار طائر الحمام.
عمت الجلسة همهمات وهمسات، وظهرت علامات الاستحسان على العديد من الوجوه، قبل أن تقرر هيأة الحكم المداولة قصد النطق بالحكم.