"الترحال السياسي" والبرغماتية السياسوية

12 أغسطس 2016 - 10:20

بقلم:إكرام عبدي
في الذاكرة الثقافية العربية، ظل الترحال، كنمط عيش بدوي، مرتبطا بالقوة، وبكل معاني الأنفة والإباء وعزة النفس، ورفض كل أشكال الضيم والخنوع، وبحث دائم عن الخصب، ذلك أن البداوة عند ابن خلدون تعني الشجاعة والاستقلال السياسي، في حين أن التمدن يعني الركون. كما ارتبط الترحال بنمط عيش رومانسي، ساهم في إثراء الذاكرة العربية الشعرية والشفاهية، وكشف عن الجانب الجمالي الخصب للترحال، فبالترحال الدائم بين الفيافي والوقوف على الأطلال، تم إطلاق العنان لأجمل الأشعار وأعذبها.
فالترحال في السابق، وإن كان يوحي باللاستقرار، فهو لااستقرار منتج وخلاق وإبداعي، لكن عناصر القوة في عصرنا هذا، يستحيل اكتسابها من خلال هذا النمط المعيشي البدوي الرومانسي، وخاصة إذا همت الجانب السياسي، بشكل يعكس حالة من الهرولة السياسية النفعية وتقلب المزاج السياسي، وشكلا من أشكال الرداءة السياسية، والتعارض مع النسق السياسي الحداثي، ومع الديمقراطية وإرادة التجديد السياسي التي نتشدق بها عادة في خطاباتنا السياسية.
فإذا كان الترحال في الصحراء قوة وبسالة، وتأهبا للدفاع عن النفس، وحصانة للقبيلة من الخضوع للسلطة المركزية، فهو في المشهد السياسي تعبير عن حالة ارتباك وخلل سياسي، وعدم ثبات على القناعات والخطابات والمبادئ وغياب الإيديولوجية السياسية، بشكل أضعف من مصداقية السياسيين الرحل، وإن كان البعض يستحسنها ويعتبرها حرية اختيار وانتماء، ونوعا من الاستقلال السياسي، فإن السياسي في تخليه عن خطابات وبرامج لطالما رددها على مسامع المواطنين كي يغذي حلمهم في التغيير والعيش الأفضل، قد يحس بأن خطاباته وهنت وبردت من كثرة الترداد، لذا، نجده يستجدي حضنا دافئا آخر، يعيد نبض الحياة لخطابات انطفأت وما عادت تجدي نفعا، يتوسل بـ«بركة» حزبا آخر، ربما يكون أوفر حظا من الحزب السابق، ، لكنه قد ينسى أو يتناسى أنه بتغيير جلده السياسي، إنما يستبلد المواطنين الذين اختاروه ليمثلهم في إطار حزب ما وبرنامج معين، ليكرس قيما مزيفة تتنافى مع أخلاقيات العمل السياسي الحر والنزيه.
“سياحة سياسية” مارسها مؤخرا عشرات القياديين السابقين بـ حزب العدالة والتنمية وأعلنوا التحاقهم الفعلي بحزب “البام” بعدما تم “تهميشهم وإقصاؤهم داخل التنظيم السياسي الذي كانوا ينتمون إليه” كما أعلنوا.
سياحة تدفعنا اليوم إلى ضرورة توخي الجدية في تجريم هاته الآفة، خاصة وأننا على أبواب الانتخابات التشريعية في السابع من أكتوبر 2016، والدستور المعدل في فاتح يوليوز 2011 كان واضحا، وضيق الحلقة على المنتخبين في غرفتي البرلمان، ومنعهم من الترحال السياسي بشكل واضح في الفصل 61 الذي نص على أنه: “يجرد من صفة عضو في أحد المجلسين كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.”
فإذا كان الإنسان العربي في ترحاله الدائم بين الفيافي، يحمل معه قطيعه وعشيرته، بحثا عن موطن خصب ورزق للجميع، فإن «الترحال السياسي» اليوم يجعل الحياة السياسية رهينة موج هادر، يمضي فيه المرتحل إلى «موطن رزق» آخر، وحيدا إلا من أناه ونرجسية وبرغماتية سياسوية، لأن علاقته بالحزب الأول لم تكن علاقة التزام واقتناع ووفاء ومسؤولية.. والأحزاب للأسف لم تلعب دورها الكامل في تأطير شبيبتها منذ الصغر على الالتزام السياسي، ولم تغرس في نفوسهم ولاءً لقيم التحرر والإيثار والالتزام والقناعات السياسية، بل إن همها فقط أن يشبوا على الولاء الأعمى للقيادات والزعامات والشعارات، وأكبر سوط للعقاب يوجه لهؤلاء السياسيين الرحل هو امتناع الناخب عن منح صوته الانتخابي الغالي، والذي يجب عليه أن يكون أكثر وعيا ونضجا من اليوم فصاعدا، حتى لا تنطلي عليه كل تلك الخدع البهلوانية السابقة، فحليمة لا أظنها ستقلع عن عادتها القديمة.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي